وائل الريس يكتب: زلزال 2026: حين سقطت “طروادة” الأرستقراطية وانكشف عَفن القمة

شفرات البرمجة وشفرات النخبة

في عام 2006، اهتز العالم على وقع تسريبات “ويكيليكس”؛ حيث فتح الصحفي جوليان أسانج صندوق “باندورا” الدبلوماسي، ناشراً آلاف الوثائق والمراسلات لوزارة الخارجية الأمريكية ليكشف زيف الشعارات السياسية. وما كاد العالم يستفيق، حتى جاء إدوارد سنودن في عام 2013 ليكسر هيبه الأنظمة الأمنية، كاشفاً عيون وكالة الأمن القومي (NSA) التي كانت تتجسس على الكوكب بأسره.

واليوم، في عام 2026، تأتي فضيحة جيفري إبستين لتضع السطر الأخير في كتاب سقوط الخصوصية، كاشفةً الجانب الأكثر إظلاماً في عالم السلطة وأثرياء الغرب. إن انفجار “أرشيف إبستين” يثبت أن الحصانة لم تعد موجودة حتى لمن يملكون المال والجاه.

الاختراق عبر “الهندسة الاجتماعية”
إن المقارنة بين هذه المحطات الثلاث تكشف تحولاً درامياً في مفهوم (الاختراق)؛ فبينما اعتمد أسانج على “براعة البرمجيات”، واتكأ سنودن على “ثغرات الأنظمة”، قدمت لنا قضية إبستين نوعاً أخطر: الاختراق عبر الهندسة الاجتماعية.
وهنا تبرز غيسلين ماكسويل لا كعشيقة فحسب، بل كـ “حصان طروادة” الذي سمح لإبستين باختراق جدران النخبة الصلبة. فإذا كان أسانج قد استخدم (الويكي) وسنودن (وحدات التخزين)، فإن إبستين استخدم (اسم ماكسويل) وإرث والدها الأرستقراطي كـ “كلمة مرور” مكنته من النفاذ إلى صالونات القصور والطائرات الخاصة للرؤساء. إنها المفارقة الصارخة؛ فالعالم الذي ارتعد من تسريبات الوثائق العسكرية والدبلوماسية ، يجد نفسه اليوم أمام تسريبات “الوثائق الأخلاقية” التي أثبتت أن النفوذ لم يُخترق رقمياً من الخارج، بل تم تقويضه من الداخل عبر (طروادة) أنثوية جعلت من الابتزاز سلاحاً يتفوق على أعتى برامج التجسس.

إرث آل ماكسويل: مفاتيح القصور المشبوهة
من هي غيسلين ماكسويل؟ إنها الابنة المفضلة لإمبراطور الإعلام روبرت ماكسويل، الذي أطلق اسمها “ليدي غيسلين” على يخته الفاخر. نشأت غيسلين في قصور أكسفورد واحتكت بملوك ورؤساء العالم منذ صغرها، مستندة إلى إرث والدها الذي فر من النازية ليصبح بطلاً في الجيش البريطاني وعضواً في البرلمان وأحد أباطرة الصحافة العالمية.

لكن خلف هذا البريق، كان روبرت ماكسويل يتحرك في مناطق مظلمة؛ حيث ارتبط اسمه بالعمل لصالح الموساد الإسرائيلي والمخابرات البريطانية والسوفيتية. وحتى وفاته الغامضة في عام 1991 ظل لغزاً محيراً، بعدما عُثر على جثته طافية قرب جزر الكناري عقب فضيحة استيلائه على أموال معاشات موظفيه. ورغم ذلك، نال “تكريماً نهائياً” لا يحظى به إلا الصفوة، حيث دُفن في جبل الزيتون بالقدس في جنازة رسمية حضرها كبار قادة إسرائيل، ووصفه إسحاق شامير بأنه: “فعل لإسرائيل أكثر مما تصف الكلمات”.

إبستين: من ممرات “دالتون” إلى أروقة “بير ستيرنز”
هذا الإرث من النفوذ الغامض كان ضرورياً لظهور جيفري إبستين، ذلك الشخص القادم من المجهول الذي لم يكمل تعليمه الجامعي، ومع ذلك حصل على “بطاقة دخول ذهبية” لمجتمع نيويورك المخملي عبر العمل كمدرس في مدرسة “دالتون” الراقية.

هناك، بدأ إبستين ممارسة “التسلق عبر الأبناء”، فتقرب من عائلات الطلاب الفاحشة الثراء، ومن خلالهم تعرف على آلان غرينبيرغ (رئيس بنك بير ستيرنز) الذي أدخله عالم “وول ستريت” عام 1976. وفي غضون 4 سنوات فقط، أصبح إبستين “شريكاً محدوداً” في البنك، وهو أمر شبه مستحيل لشخص في ظروفه. إلا أن مسيرته هناك انتهت “بإجبار” على المغادرة عام 1981 بسبب انتهاكات مالية، ولكن بدلاً من المحاكمة، تم التستر عليه والسماح له بالرحيل بهدوء، في أول دليل ملموس علي شبكة الحماية الخفيه التي كانت تظله.

عقد المقايضة: حين التقى المال باللقب
تُعتبر لحظة لقاء إبستين بغيسلين ماكسويل في مطلع التسعينيات هي “الانفجار الكبير” لهذا المشروع الإجرامي. التقى الاثنان في نيويورك عام 1991، وكان توقيتاً فارقاً؛ فغيسلين وصلت أمريكا “حطاماً” بعد وفاة والدها وانهيار إمبراطوريته، تملك العلاقات وتفتقر للمال. أما إبستين، فكان يملك الثروة الغامضة ويفتقر للواجهة الاجتماعية.

لم يكن مجرد لقاء عاطفي، بل كان “عقداً غير مكتوب”:
إبستين قدم لغيسلين: الأمان المالي والحياة الباذخة التي أنقذتها من السقوط الاجتماعي.
غيسلين قدمت لإبستين: شرعية الدخول للقصور؛ فهي من فتحت له أبواب الأرستقراطية الأوربية عبر الأمير أندرو ونقلته من “ثري جديد” إلى رقم صعب علي طاولة الكبار .

الخاتمة: المال كأداة للسيطرة
لذا لم يكن صدفة أن ينهل إبستين من ثقافة “بير ستيرنز” البنك الذي كان نذيراً بانهيار النظام المالي العالمي في 2008. ففي ردهاته، تعلّم إبستين كيف يحول المال إلى “سلاح صامت”، وكيف يشتري الولاءات عبر الثغرات القانونية.

ولقد منحت مدرسة دالتون إبستين “العلاقات”، ومنحه بنك بير ستيرنز “الأدوات المالية القذرة”، بينما كانت غيسلين ماكسويل هي “الخوارزمية البشرية” التي أدارت أكبر شبكة ابتزاز في العصر الحديث. ومع تكشف أوراق عام 2026، ندرك أخيراً أن ابنة الإمبراطور لم تكن مجرد عشيقة، بل كانت الدليل الذي قاد الصعلوك الصاعد إلى أعمق دهاليز النخبة، ليصنعا معاً فخاً محكما سقط في شباكه بعض اقوي سادة العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى