د. اسماء زايد تكتب: رحلة النبي موسى في سيناء والمعابد اليهودية في مصر ذاكرة دينية على أرض التاريخ

مساعد الأمين العام للسياحيين بمصر

تمثل مصر إحدى أهم المحطات الدينية في التاريخ الإنساني، إذ ارتبطت أرضها بسرديات كبرى شكّلت وجدان أتباع الديانات السماوية، وفي مقدمتها رحلة النبي موسى عليه السلام في سيناء، إلى جانب الحضور اليهودي التاريخي الذي خلّف معابد ما زالت قائمة حتى اليوم كشواهد على عمق هذا التراث وتحتل شبه جزيرة سيناء موقعًا محوريًا في قصة النبي موسى،

حيث تشير المصادر الدينية إلى عبور بني إسرائيل، وتلقي الوصايا على جبل الطور، المعروف اليوم بجبل موسى، قرب مدينة سانت كاترين وهذا الموقع، الذي يقصده الزوار من مختلف أنحاء العالم، لم يكن مجرد مكان جغرافي، بل أصبح رمزًا للوحي والتشريع، ومفصلًا تاريخيًا في تطور الفكر الديني والأخلاقي وعلى امتداد سيناء، ما زالت الجبال والوديان والعيون المائية تحمل ذاكرة الرحلة، وتمنح المكان طابعًا روحيًا خاصًا، جعل منه مقصدًا للسياحة الدينية والتأملية عبر القرون لم ينحصر الوجود اليهودي في مصر في النصوص الدينية وحدها، بل تجسّد عمرانيًا في معابد لعبت أدوارًا دينية وثقافية واجتماعية مهمة، من أبرزها معبد بن عزرا في القاهرة القديمة، أحد أقدم المعابد اليهودية في المنطقة، والذي ارتبطت به روايات دينية عن النبي موسى، واشتهر عالميًا باكتشاف وثائق «الجنيزا» التي كشفت تفاصيل دقيقة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية ليهود مصر في العصور الوسطى ومعبد شعاري شمايم بوسط القاهرة، الذي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.

ويعكس مرحلة ازدهار الجالية اليهودية في مصر الحديثة، من خلال طرازه المعماري ونقوشه العبرية المميزة وتُعد هذه المعابد جزءًا من النسيج الحضاري المصري، بما تحمله من دلالات على التعايش الديني والتنوع الثقافي وفي قلب مدينة الإسكندرية، وعلى مقربة من محطة الرمل، يقف معبد إلياهو هانبي (النبي إلياهو) كأحد أبرز الشواهد المعمارية والدينية على الوجود اليهودي التاريخي في مصر، وواحد من أكبر المعابد اليهودية في منطقة الشرق الأوسط فتاريخه يمتد لأكثر من قرن يعود تاريخ المعبد إلى منتصف القرن التاسع عشر، إذ أُعيد بناؤه عام 1850في عهد محمد علي باشا، بعد أن كان معبدًا أقدم تعرّض للتدمير خلال الحملة الفرنسية. وقد مثّل المعبد آنذاك مركزًا دينيًا واجتماعيًا رئيسيًا ليهود الإسكندرية، الذين شكّلوا جزءًا فاعلًا من النسيج السكاني والثقافي للمدينة ويتميّز معبد إلياهو هانبي بطراز معماري فريد يمزج بين الطراز الأوروبي الكلاسيكي والروح الشرقية، ويتسع لنحو 700 مصل مع قاعة صلاة فسيحة مع قاعة صلاة فسيحة، وأعمدة ضخمة، ونقوش عبرية دقيقة، إضافة إلى ثريات ومقاعد خشبية تعكس ثراء الفن المعماري في القرن التاسع عشر لذلك كان الاهتمام بالسياحة الدينية في مصر باعتباره رافد ثقافي واجتماعي تتميز به مصر

ففي ظل الاهتمام العالمي بالسياحة الثقافية والدينية، تبرز مواقع رحلة النبي موسى والمعابد اليهودية في مصر كفرصة لإحياء مسار سياحي فريد، يربط بين التاريخ والدين والثقافة، ويعيد تقديم مصر بوصفها أرضًا للرسالات وملتقى للحضارات، وأخيرا فإن رحلة النبي موسى في سيناء، والمعابد اليهودية المنتشرة في مصر، ليست مجرد أحداث أو مبانٍ من الماضي، بل ذاكرة حية تعكس دور مصر المحوري في التاريخ الديني للإنسانية والحفاظ على هذه المواقع، وإبرازها إعلاميًا وثقافيًا، يرسّخ قيم الحوار والتفاهم، ويحوّل التاريخ إلى جسر للتواصل بين الشعوب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى