محمد مطر يكتب: الفقر الخائف في مواجهة الكلمة الواعية
في زاوية هادئة من مكتبنا، اعتادت «الست خديجة» أن تمر بين حين وآخر، تصلح ما أفسدته ساعات العمل الطويلة، وتترك وراءها شيئًا من دفء البيت في مكان لا يشبه البيوت، امرأة أكلت الأيام من عمرها، حتى لم تترك لها سوى حكمة الفطرة السليمة، وخوفٍ صامت علّمتها الحياة كيف تخفيه جيدًا.
بطبعي، لا أعرف كيف أعيش بين الجدران صامتًا، فالكلمات لدي ليست مجرد أدوات، بل متنفس للروح؛ أحكي عن نص أدبي راقني، أردد مقطعًا غنائيًا أعدل به مزاج اليوم، أصنع كوبًا من القهوة بنفسي كي لا أتعب «الست خديجة» كما أحب أن أناديها، أو ينفلت مني الحديث، بحكم نزعة صحفية لم أفقدها، إلى قضايا الناس، وما يعسُر عليهم من شؤون العيش، ولماذا تغيب «السلطة الرابعة»، كما يطلقون عليها، أحيانًا عن أن تكون مرآة حقيقية لآلام الشارع.
في إحدى هذه اللحظات، وبينما كنت أغرق في حماسي ونقدي للواقع، أوقفتني حركة يدها وهي تضع كوب الشاي أمامي، ونظرة من عينين أنهكتهما الحياة، لكنهما كانتا أعمق فهمًا لمعادلاتها الصعبة.
قالت بنبرة خفيضة، كأنها تخشى حتى أن يصل صوتها إلى الهواء:
— «يا محمد..»
— «نعم يا ست خديجة؟»
— «لا تتحدث في هذه الأمور يا بني.. الجدران هنا تسمع، والوجوه تتشابه من حولك، حتى إنك لم تعد تعرف صديقك من عدوك».
كانت كلماتها كقطرة ماء باردة سقطت على جمر حماسي.
حاولت أن أشرح لها أنني أرفع صوتي من أجلها، ومن أجل من هم في مثل ظروفها وصبرها، وأن اللسان الذي لا ينطق بحق الناس هو لسان معطل.
ابتسمت ابتسامة من عبروا المخاوف كلها، ثم أجابتني بيقين بسيط، ومرعب في آن:
— «حقوقنا سنأخذها عند الله كاملة يا بني.. لا توجد حقوق تُسترد هنا، وأنت ما زلت في مقتبل العمر، ولديك صغار ينتظرون عودتك كل مساء.. وأنا أخشى عليك».
توقفت، ولم أجد ما أرد به.
كانت «الست خديجة» تحمل في صمتها وصية لم تُكتب؛ وصية من علّمتهم الأيام أن «أكل العيش» يقتضي في كثير من الأحيان إغلاق النوافذ، وأن البقاء على قيد الحياة بسلام قد يصبح أقصى ما يمكن للإنسان أن يطمح إليه، في المقابل، كنت أرى أن الصمت التام نوع من الموت البطيء للروح قبل الجسد.
تأملت كلماتها طويلًا، هل كان تسليمها هذا تفريطًا في الحق، أم أنه درع حماية شيدته سنوات الخيبة؟ وهل كان حماسي في الحديث، وطبيعتي التلقائية في التعبير، شجاعة في غير موضعها، أم مجرد اندفاع يدفع صاحبه ثمنه في بيئة لا تتسامح كثيرًا مع الكلمة؟
بين خوفها الرؤوف، وعاطفتي المسكونة بالبحث عن الحقيقة وقولها، أدركت أن الأزمة ليست فيمن يصرخ وجعًا، ولا فيمن يلوذ بالصمت خوفًا، الأزمة في زمانٍ أصبحت فيه الكلمة البسيطة حملاً ثقيلاً، وصار التعبير عن البديهيات يحتاج إلى حذرٍ لم يكن يومًا يحتاجه.
أما الفقر، فليس دائمًا عجزًا عن امتلاك المال؛ قد يكون أحيانًا خوفًا من خسارة الشيء الوحيد الذي يملكه الإنسان، ولذلك يبدو الصمت في عيني صاحبه أقل كلفة من الحقيقة.
وربما كانت «الست خديجة» تعرف ذلك كله، دون أن تحتاج إلى كل هذه الكلمات، يكفيها أن تنظر إلى كوب الشاي أمامي، ثم إلى الباب، وتقول بصوت خفيض:
«خلي بالك من نفسك يا بني».
وحينها فقط، أفهم أن بعض النصائح لا تأتي من ضعف أصحابها، وإنما من عمرٍ طويل قضوه وهم يدفعون ثمن الكلمات التي قيلت، والكلمات التي لم تُقل



