أحمد طايع يكتب: الإصلاح الاقتصادي في عيون المواطن بين قرارات الدولة وضغط الحياة اليومية

في نهاية كل يوم، هناك مواطن يعود إلى بيته وفي ذهنه قائمة طويلة من الاحتياجات، لكنه يفتح محفظته أولًا قبل أن يفتح باب الكلام. راتب محدود، وأسرة تحتاج إلى طعام، وأبناء لهم متطلبات، ومواصلات وفواتير وعلاج والتزامات لا تعرف معنى كلمة «انتظر».

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للإصلاح الاقتصادي، ليس داخل قاعات الاجتماعات ولا في صفحات التقارير، وإنما في حياة المواطن الذي يحاول أن يجعل دخله يكفي حتى نهاية الشهر.

الدولة تعرف أن هناك فقراء وتعرف أصحاب الدخول المحدودة، وتعرف أيضًا أن هناك من يعيش يومه بيومه ومن أنهكته متطلبات الحياة، وتعرف أين توجد المشكلات وأين تظهر المخالفات، ومن يستغل القانون أو يتحايل عليه، ومن يملك نفوذًا يحاول استخدامه لمصلحته. لكن معرفة المشكلة شيء، وشعور المواطن بأن الحل وصل إليه شيء آخر.

خلال السنوات الماضية، دخل الاقتصاد المصري في مسار من الإصلاحات والإجراءات التي كان لها تأثير مباشر على حياة الناس. بعض هذه الإجراءات ارتبط بضرورات اقتصادية، وبعضها استهدف إعادة ترتيب منظومة الدعم والإنفاق وتحسين كفاءة الموارد، إلى جانب مشروعات التنمية والاستثمار وتطوير البنية الأساسية والخدمات.

والحديث هنا ليس عن رفض الإصلاح أو قبوله، فالاقتصاد لا يمكن أن يبقى ثابتًا بينما تتغير احتياجات الدولة والسكان والأسواق، والإصلاح في كثير من الأحيان يكون ضرورة. لكن الضرورة الاقتصادية لا تلغي الجانب الإنساني للقرار، وهذه هي النقطة التي تظهر عندها الفروق بين مواطن وآخر.

هناك مواطن يستطيع أن يتحمل زيادة في تكلفة سلعة أو خدمة لأنه يملك مساحة أكبر داخل دخله، وهناك موظف أو عامل أو أسرة محدودة الدخل لا تملك هذه المساحة أصلًا. بالنسبة إلى الأول، قد تكون الزيادة رقمًا إضافيًا في ميزانية الشهر، أما بالنسبة إلى الثاني فقد تعني الاستغناء عن شيء أساسي.

وهنا يصبح السؤال أكثر واقعية: ماذا يحدث داخل البيت عندما لا يعود الدخل يكفي الاحتياجات القديمة نفسها؟ قد تبدأ الأسرة بتقليل شراء بعض السلع، ثم تأجيل احتياجات أخرى، ثم البحث عن بدائل أقل تكلفة. الأب يحاول تدبير المصروف، والأم تعيد حسابات المطبخ أكثر من مرة حتى تستطيع توفير ما تحتاجه الأسرة، والأبناء يشعرون أحيانًا بأن هناك أشياء لم تعد متاحة كما كانت. لا أحد يكتب هذه التفاصيل في جدول اقتصادي، لكنها جزء من الصورة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما تقوم به الدولة من مشروعات وتطوير في قطاعات مختلفة، أو جهود تحسين الخدمات، أو الإجراءات التي تستهدف مواجهة المخالفات وضبط الأسواق. فهذه ملفات تمس حياة المواطن أيضًا، وربما لا تظهر نتائجها كلها في وقت واحد، لكن المواطن محدود الدخل يريد أن يرى أثر كل ذلك في المكان الأقرب إليه؛ بيته.

يريد أن يشعر أن الطريق الذي تسير فيه الدولة لن يتركه وحده أمام ارتفاع تكاليف الحياة. والمواطن المصري ليس غريبًا عن الصبر؛ كم من أسرة عاشت سنوات وهي تحسب كل جنيه قبل إنفاقه، وكم من أب أعاد ترتيب أولوياته أكثر من مرة حتى يستطيع توفير احتياجات أبنائه، وكم من أم تعرف أسعار السوق ليس لأنها تهتم بالأرقام، ولكن لأنها مضطرة إلى معرفة أين يمكن أن توفر بعض المال.

هذا المواطن ليس ضد الدولة، وليس بالضرورة ضد الإصلاح. في أحيان كثيرة، هو فقط يريد أن يفهم: لماذا حدث هذا القرار؟ ومتى تظهر نتائجه؟ وماذا سيحدث لمن لا يستطيع تحمل تكلفته؟ وهل هناك إجراءات تحميه إذا أصبح العبء أكبر من قدرته؟

هذه الأسئلة طبيعية، والإجابة عنها بوضوح جزء من إدارة الإصلاح نفسه. فالمواطن عندما يفهم سبب القرار قد يتحمل أكثر، وعندما يرى أن الأعباء موزعة بعدالة يكون أكثر قدرة على الصبر. أما عندما يشعر أن البعض يتحمل كل شيء بينما يملك آخرون القدرة على تجاوز الأزمة بسهولة، فإن الإحساس بالضغط يتحول إلى شعور بعدم الإنصاف.

ومن هنا تأتي أهمية مكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار والتحايل على القانون واستغلال النفوذ. فليس من المنطقي أن يُطلب من المواطن تحمل الظروف الاقتصادية بينما يحقق البعض مكاسب غير مشروعة من الأزمة.

الدولة التي تعرف أين يوجد المواطن المحتاج، وأين توجد المخالفات، وأين يتحرك المتلاعبون، تستطيع أن تجعل الرقابة أكثر قربًا من الناس وأكثر تأثيرًا في السوق. والعدالة هنا لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يحصل الأكثر احتياجًا على حماية تتناسب مع حجم العبء الذي يتحمله.

وفي الوقت نفسه، فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يعتمد إلى الأبد على قدرة الناس على الصبر. الصبر مهم، لكنه ليس سياسة اقتصادية، والتحمل مهم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن زيادة الدخول، وتوفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتحسين الخدمات، وضبط الأسواق، ووصول برامج الحماية إلى مستحقيها.

المواطن يريد أن يرى المستقبل لا أن يسمع عنه فقط. يريد أن يرى مدرسة أفضل، وخدمة حكومية أسهل، وسوقًا أكثر انضباطًا، وفرصة عمل حقيقية، ودخلًا يستطيع أن يعيش به دون أن يبدأ حسابات الشهر الجديد قبل أن ينتهي الشهر الحالي.

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى مواطن يثق بأن القرارات الصعبة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما جزء من طريق أوسع نحو اقتصاد أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات. وهنا يمكن أن يكون الحوار أكثر هدوءًا وأكثر واقعية؛ لا الدولة مطالبة بإيقاف الإصلاح كلما ظهرت صعوبة، ولا المواطن مطالب بأن يصمت أمام ما يثقل حياته.

بين الطرفين توجد مساحة مهمة اسمها المراجعة والاستماع والتصحيح. فإذا كان قرار ما ضروريًا، فشرح ضرورته مهم، وإذا كان تأثيره أكبر من المتوقع على فئة معينة، فمراجعة هذا التأثير ليست تراجعًا، وإذا كانت هناك فئة تتحمل العبء الأكبر، فإن الوصول إليها بالحماية والدعم ليس مجاملة، وإنما جزء من نجاح الإصلاح.

في النهاية، المواطن لا يعيش داخل مؤشرات اقتصادية. هو يعيش داخل بيت، يشعر بارتفاع السعر عندما يقف أمام البائع، ويشعر بتكلفة المواصلات عندما يخرج إلى عمله، ويشعر بضغط المصروف عندما ينظر إلى أبنائه، ويشعر بالأمان عندما يجد خدمة محترمة، ويشعر بالعدل عندما يرى أن القانون يطبق على الجميع.

ولهذا فإن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بما يتحسن في الأرقام، وإنما بما يتغير في حياة الناس. قد تحتاج الدولة إلى الإصلاح، وقد يحتاج الإصلاح إلى وقت، وقد تكون هناك قرارات لا مفر منها، لكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب وسط كل الأرقام: كيف نعبر طريق الإصلاح دون أن يضطر المواطن الأكثر احتياجًا إلى دفع ثمن أكبر من قدرته؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل العلاقة بين الإصلاح والمواطن. فالمواطن لا يطلب أن تتوقف الدولة عن البناء، هو يريد فقط، وهو يمضي معها في الطريق، أن يجد من يمسك بيده عندما يصبح الطريق أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى