عبدالقادر أبو البشر يكتب : وطن شامخ (13)

في نيويورك…كان مجلس الأمن يتحدث عن إيقاف الحرب في السودان..وكان السودان يسمع حديثاً آخر. .. حديثاً عن إيقاف الجيش.
ومسعد بولس (القذر) جاء إلى الجلسة يحمل مقترحاً أمريكياً يبدو من الخارج ناصعاً مثل حمامة السلام وهو ..توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله…وكذلك حظر إدخال المسيّرات وتقنياتها تحت الحظر…وتشديد الرقابة…وتوسيع العقوبات.
كلمات جميلة…لكن السم لا يأتي دائماً في زجاجةٍ مكتوبٍ عليها سم…أحياناً يأتي في ملف أنيق…تحمله أيادي دبلوماسية…ويُقدم تحت عنوان: حماية المدنيين.

والسؤال الذي هربت منه الخطب الطويلة والرنانة هو ..لماذا الآن بالتحديد؟
لماذا حين بدأت المسيّرات تصيب غرف القيادة ومخازن السلاح وخطوط الإمداد؟
لماذا حين أخذت الميليشيا تتلقى الضربات الموجعة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق؟
ولماذا يصبح سلاح الجيش خطراً على السلام…بينما تعبر الأسلحة والمرتزقة والذخائر إلى الميليشيا في الحدود والصحارى والمطارات، فلا تراها العيون الدولية الواسعة؟
أمريكا لا تطلب من السودان أن يُنهي الحرب فحسب .بل إنها تطلب منه أن ينهي الحرب ويداه مربوطتان.
تريد مساواة جيش دولة ذات سيادة…بميليشيا تمرّدت على الدولة…ونهبت البيوت…واحتلت المستشفيات…وشردت الأسر…وارتكبت من الفظائع ما جعل المدن تروي أخبارها بالدماء .
وتقول واشنطن وقحت (الطرفان)

وهذه الكلمة وحدها…تكفي لفهم المشروع كله..فالذي يساوي بين صاحب المنزل واللص…لا يبحث عن العدالة.
والذي يساوي بين الجندي الذي يحرس الحدود والمرتزق الذي عبرها…لا يبحث عن السلام.
والذي يساوي بين الدولة ومن يقاتل لهدمها…لا يبحث عن السلام. .
إنما يريد دولةً ضعيفة ومتهالكة ، وميليشيا لا تموت.
المقترح الأمريكي ليس حظراً للسلاح فحسب.إنه ـ في توقيته ونتيجته المحتملة ـ محاولة لصناعة توازن الضعف.
بأن لا ينتصر الجيش…ولا تنهزم الميليشيا…
ولا تنتهي الحرب…
ويبقى السودان معلقاً بين جولة تفاوض وجولة قتال…تنزف أطرافه…وتُستنزف موارده…
ثم يأتي السماسرة، بعد ذلك، ليبيعوه السلام الذي سرقوه منه.
والأغرب…أن الذين يتحدثون عن وقف تدفق السلاح، يعرفون المطارات التي تقلع منها الطائرات…ويعرفون الطرق التي تسلكها الشاحنات…

ويعرفون الدول التي تُفتح عبرها الممرات…
ويعرفون من يدفع ثمن البندقية والمسيرة والمرتزق.
يعرفون كل شيء.
لكنهم، حين يصل الحديث إلى اسم الإمارات، يفقد بعضهم النطق ويبدأ التلعثم خوفا وطريا .. وتصاب الدبلوماسية الدولية بحالة عجيبة من الصمم الانتقائي.
تسمع الدبلوماسية في أقصي الغرب صوت المسيّرة في سماء كردفان…ولكنها لا تسمع هدير الطائرة التي حملتها.
ترى الرصاصة في صدر السوداني…ولا تريد أن ترى اليد التي دفعت ثمنها.
تفتش مخازن الضحية…وتترك أبواب المموِّل مفتوحة.
وهكذا يصبح المطلوب من السودان أن يعتذر لأنه ما زال واقفاً…وأن يخجل جيشه لأنه لم يسمح للميليشيا بابتلاع البلاد.
وأن يتوقف عن استخدام أدوات القوة…
حتى يجد المعتدي الوقت الكافي لالتقاط أنفاسه، وترتيب صفوفه، واستقبال شحنة جديدة من المسيرات والأسلحة الفتاكة
إنها قبلة حياة…لكنها ليست للسودان.
وفي الجلسة نفسها، كانت هناك أصوات تعرف الفرق بين الجيش والميليشيا.
السعودية أدانت هجمات الدعم السريع على المدنيين والمنشآت وقوافل الإغاثة، وأعادت التأكيد أن طريق السلام لا يمر فوق جثث السودانيين.
ومصر قالتها بوضوح إن السودان دولة واحدة، وإن مؤسساته الوطنية ليست مساوية لكيان متمرد، وإن وقف التصعيد يبدأ بمنع السلاح والمرتزقة من الوصول إلى الميليشيا.
وروسيا وضعت إصبعها على موضع الخديعة:
وقالت إن تقييد الجيش الوطني لا يحمي المدنيين…بل يطيل أمد الحرب.
وباكستان قالت ما كان ينبغي لمجلس الأمن كله أن يقوله ..هناك جيش وطني لدولة ذات سيادة…وهناك ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة…والخلط بينهما ليس حياداً.
إنه انحياز متنكر في ثياب الحياد.
الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة داخلية منذ زمن.والأموال التي تمولها ليست أموال سودانية.. والأسلحة التي تغذيها لا تُصنع في السودان.والمرتزقة الذين يعبرون إليها لم يولدوا جميعاً على أراضي السودان .
إنها حرب أطماع إقليمية ودولية…تستخدم الميليشيا مطرقةً لكسر الدولة…ثم تستخدم المنابر الدولية لمنع الدولة من الدفاع عن نفسها.
والهدف؟
السودان الذي نعرفه كبير..كبير بأرضه…بمائه…بذهبه…بموقعه…وبشعبه.والسودان الكبير لا يناسب موائد التقاسم.
لذلك يريدونه قطعاً صغيرة…يسهل حملها وبيعها…وابتلاعها.لكنهم ينسون شيئاً واحداً.
أن هذا الشعب ربما يختلف في السياسة…
ويتجادل في الحكم…ويتخاصم حول الرجال والأحزاب…
لكنه حين يرى وطنه فوق طاولة التشريح، يعرف أين يقف.
يقف خلف الأرض.. وخلف السيادة.
وخلف جيشه وهو يقاتل دفاعاً عن بقاء الدولة.
إيقاف الحرب ليس لغزاً يحتاج إلى آلاف الصفحات.
أوقفوا المال الذي يشتري السلاح..أغلقوا المطارات التي تنقله..اقطعوا طرق المرتزقة.
سمّوا الدولة التي تدعم الميليشيا باسمها
وطبقوا القانون على المعتدي قبل أن تجرّدوا الضحية من وسيلة الدفاع.
عندها فقط…ستتوقف الحرب.
أما أن يُترك الصنبور الذي يغذي التمرد مفتوحاً…ثم يُطلب من الجيش أن يضع سلاحه…فهذه ليست خطة سلام. هذه خطة إنقاذ للميليشيا.
والذين يراهنون على أن السودان سيُسلّم أرضه لأن مجلساً دولياً صاغ مشروع قرار…
لم يقرأوا تاريخ هذا البلد جيداً.
السوداني قد يطيل الصمت.وقد يصبر حتى يظن الآخرون أن الصبر ضعف.
لكنه، حين تصبح المسألة أرضاً وعِرضاً ووطنًا…
يقاتل حتي الرمق الأخير .
لماذا ؟ لأن المرتزق يقاتل حتى ينفد المال.
والعميل يقاتل حتى تتغير الأوامر.،،واللص يقاتل حتى تمتلئ حقيبته.
أما صاحب الأرض فلا مكان آخر يذهب إليه.
ولهذا سيبقى السودان.
وستذهب الميليشيا (شاء من شاء. . وأبي من أبي)وسيذهب ممولوها ذليلا
وستبقى هذه الحقيقة واقفةً فوق أنقاض المؤامرة بإذن الله .
لا سلام بتجريد الوطن من سلاحه…ولا عدالة بمساواة الجيش بالميليشيا…
ولا نجاة للسودان إلا حين يُقال للمعتدي توقّف…وللمدافع عن أرضه تقدم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى