عاطف طلب يكتب : قوارب الموت.. حين يتحول الحلم إلى مقبرة عائمة أمام سواحل مطروح
مرة أخرى، يدفع الفقر واليأس شبابًا في عمر الزهور إلى حضن البحر، لا بحثًا عن مغامرة، بل هربًا من واقع خانق لم يترك لهم خيارًا سوى المخاطرة بالحياة. ومرة أخرى، يبتلع البحر ضحاياه في صمت، بينما تصرخ الأمهات على الشواطئ: “يا حسرة عليكم!”.. غرق مركب هجرة غير شرعية قبالة سواحل مطروح ليس حادثًا عابرًا، بل جريمة مستمرة تُرتكب في وضح النهار.
ما حدث قبالة سواحل مطروح ليس مجرد غرق مركب، بل غرق منظومة كاملة في مواجهة ظاهرة باتت تتكرر بشكل مخزٍ: الهجرة غير الشرعية. عشرات الضحايا الذين خرجوا بحثًا عن “فرصة”، انتهى بهم الحال إلى قاع البحر، بلا وداع، بلا أحلام، بلا مستقبل.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من المسؤول؟
هل هو الشاب الذي قرر المجازفة؟ أم السماسرة وتجار الأرواح الذين يبيعون الوهم مقابل آلاف الجنيهات؟
أم الظروف الاقتصادية التي دفعت هؤلاء إلى حافة اليأس؟
أم غياب الرقابة الصارمة التي تسمح بانطلاق هذه القوارب وكأنها رحلات سياحية؟
الحقيقة المؤلمة أن الجميع شركاء في هذه المأساة.
شباب تم خداعهم بأحلام أوروبا الوردية، وأسر ربما دفعت بكل ما تملك أملاً في نجاة ابنها، وسماسرة لا يعرفون إلا لغة الربح، مهما كان الثمن… حتى لو كان أرواحًا بريئة.
البحر لا يرحم، لكن الأكثر قسوة هو ذلك الإصرار الجماعي على تجاهل الكارثة.
كل مرة نكتفي بالعزاء، وننتظر الضحية التالية.
كم مركبًا يجب أن يغرق حتى نصحو؟
وكم جنازة نحتاج حتى ندرك أن “الهجرة غير الشرعية” لم تعد مجرد ظاهرة، بل نزيف مستمر؟
الوجع الحقيقي ليس فقط في الغرقى ..
بل في بلد يُدفَع شبابه دفعًا إلى البحر،
وفي مجتمع تعود على المأساة حتى فقد الإحساس بها.
رحم الله الضحايا… لكن الرحمة وحدها لم تعد تكفي.



