مني النمر تكتب: تعددت الأسباب و القتل واحد …
في كل مرة نستيقظ فيها على خبر جديد لامرأة قُتلت على يد زوج أو خطيب أو شاب لم يحتمل فكرة الرفض … نحاول إقناع أنفسنا أنها “حادثة فردية”. لكن الحقيقة التي أصبحت أكبر من قدرتنا على الإنكار، أن الأمر لم يعد مجرد حوادث متفرقة، بل ظاهرة تنمو في صمت داخل المجتمع المصري، تتكرر من بيت لآخر، ومن شارع لآخر، ومن طبقة اجتماعية لأخرى، حتى أصبح السؤال المرعب ليس: لماذا حدثت الجريمة؟ بل: لماذا تتكرر بهذا الشكل المخيف؟
تعددت الأسباب… و القتل واحد …
مرة تحت اسم الحب، ومرة بدافع الغيرة، ومرة بسبب الخلافات الزوجية، و مرة بسبب الحالة الاقتصادية ، ومرة لأن فتاة تجرأت قالت “لا” لشاب لم يتقبل الرفض. لكن في النهاية، الضحية واحدة… والخلل واحد… والعنف متكرر .
الأخطر في الأمر أن هذه الجرائم لم تعد مرتبطة بنمط واحد كما كان يظن البعض.لم تعد حكرا على الجهل أو الفقر أو المناطق العشوائية فقط. فنجد متهماً يحمل شهادة جامعية، وآخر يعمل في وظيفة مرموقة، وثالثا يبدو أمام الناس إنسانا طبيعيا ومحترما … قاضي، مهندس، موظف، رجل أعمال، عامل بسيط ، او حتى بلطجي… أسماء ومهن مختلفة، لكن العقلية لحظة الغضب تكشف شيئاً واحداً: هناك خلل حقيقي يتسلل داخل الأسرة والمجتمع وطريقة تربية يشوبها الخلل . نحن أمام جيل كامل تربى بعض أفراده على فكرة خطيرة جدا، وهي أن المرأة شيء يمكن امتلاكه، وليس إنسانا يملك حق الاختيار والرفض أوالانسحاب في بعض الأحيان .
فبعض الشباب ينشأ منذ طفولته وهو يسمع عبارات مثل:
“ابني تتمناه احسن واحدة ”
“ الراجل كلمته هي اللي تمشي.”
“الراجل يعمل اللي هو عايزه.”
فتتكون داخله صورة مشوهة عن الرجولة، يختلط فيها الحب بالسيطرة، والكرامة بالتملك، والرفض بالإهانة الشخصية.
ثم يأتي المجتمع أحيانا ليكمل الكارثة.
فنجد مجتمع يسخر من الرجل الهادئ المحترم ، ويعتبر إهانة الزوجة قوة، و أن الغيرة المريضة دليل حب، والسيطرة نوع من الرجولة. حتى بعض الأعمال الفنية ساهمت في ترسيخ هذا التشوه، فحولت المطاردة والإلحاح والتهديد إلى صورة رومانسية، بينما في حقيقتها كانت إنذارا مبكرا بتنامي عقلية لا تفهم الحدود ولا تحترم حرية الآخر.
والنتيجة؟
شباب غير قادر على تقبل الخسارة، أو الفشل العاطفي، أو انتهاء العلاقة، أو حتى كلمة بسيطة مثل “لا أريد أن أستمر ”.
والمؤلم أكثر، أن بعض الناس ما زالوا يبحثون عن مبررات للقاتل بدلا من مواجهة الحقيقة .فتجد من يقول:
“أكيد استفزته.”
“أكيد هى السبب.”
وكأن الخلاف يبرر القتل، وكأن المرأة مطالبة دائما أن تتحمل العنف أو الإهانة و في النهاية تدفع حياتها ثمنا لغضب شخص غير سوي …
في بيوت كثيرة، لم تمت امرأة فقط…
بل مات الأمان داخل طفل شاهد أمه تُهان أو تُضرب أو تُقتل أمام عينيه. طفل سيكبر وهو يحمل خوفا أو عنفا أو تشوها نفسيا ، ليعيد المجتمع إنتاج المأساة مرة أخرى بصورة مختلفة.
فالجريمة لا تنتهي عند الضحية وحدها، بل تمتد كندبة طويلة داخل أرواح من بقوا أحياء بعدها.
لا أحد ينكر أن الضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها المجتمع اليوم قاسية ومؤلمة، وأن الناس أصبحت أكثر توترا وغضبا واختناقا، لكن الأزمة الحقيقية ليست في الضغوط وحدها، بل في إنسان لم يتعلم كيف يتحكم في غضبه دون أن يتحول إلى قاتل.
المشكلة ليست في رجل يحمل سكينا … بل في أفكار خاطئة تُزرع في تربيتنا داخل البيوت، ثم نصدم حين نرى نتيجتها على صفحات الحوادث.
أخطر ما يحدث ليس أن امرأة تُقتل كل فترة… بل أن الناس بدأت تعتاد سماع الخبر.
تمر الجريمة سريعا، يومان ثلاثه من الصدمة أو الغضب، ثم نعود لحياتنا كأن شيئا لم يكن، بينما هناك أم قد فقدت ابنتها، و هناك طفل فقد أمه، وأسرة كاملة ستعيش عمرها وهي تتساءل:
كيف يمكن لإنسان قال يوما“أنا أحبك”…
أن يتحول في لحظة إلى قاتل ؟!!
ربما نحن اليوم في أشد الحاجة لأن نعيد تعريف معنى الرجولة من جديد…
فالرجولة لم تكن يوما في الصوت المرتفع، ولا بكثرة الأيذاء ، ولا بفرض السيطرة باسم الحب أو القوامة.
الرجولة الحقيقية كما وصفها ديننا ورسولنا الكريم كانت رحمة، واحتواء، وأمانا تشعر به المرأة داخل بيتها لا خوفاً منه.
فالرسول ﷺ، وهو أعظم الرجال خلقا ومكانة، قال: “استوصوا بالنساء خيرا”، وقال أيضا: “خيركم خيركم لأهله”.
لم يجعل القوة في الإهانة أو البطش، بل جعلها في ضبط النفس، والرفق، وتحمل المسؤولية، وحسن المعاملة.
نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين تردع الجريمة، بل نحتاج أن نعود إلى أصولنا الحقيقية، إلى الأخلاق المصرية الأصيلة التي كانت ترى المرأة “ست البيت” لها مكانتها وقدرها واحترامها، لا خصما في معركة داخل المنزل.
نحتاج بيوتا تُربي أبناءها على أن المرأة إنسان له حق القبول والرفض والكرامة، وأن الحب لا يمكن أن يتحول إلى تهديد أو عنف أو انتقام.
استقيموا يرحمكم الله…
فإن استقامت الرحمة داخل البيوت، استقام المجتمع كله، ونشأ جيل متزن يعرف أن الرجولة أخلاق قبل أن تكون سلطة، ورحمة قبل أن تكون قوة.


