عاطف طلب يكتب : المونوريل بين الحلم والواقع: هل تتحمل جيوب المصريين تكلفة التطوير؟
في ظل سعي الدولة لتطوير منظومة النقل الحضري وتقديم وسائل حديثة تواكب المدن الذكية، جاء مشروع المونوريل كأحد أبرز هذه المشروعات الطموحة. لكن مع الإعلان عن أسعار التذاكر، تصاعدت تساؤلات حادة حول مدى ملاءمة هذه الخدمة للقدرة الشرائية للمواطن، وهل بالفعل تعكس دراسات الجدوى واقع المجتمع المصري، أم أنها انفصلت عن احتياجاته؟
أثار إعلان تسعير تذكرة المونوريل، والتي قد تصل إلى 80 جنيهًا للرحلات الطويلة، حالة من الجدل الواسع، خاصة عند وضعها في سياق دخل المواطن متوسط الحال. فبحسبة بسيطة، يحتاج الموظف الذي يعتمد على المونوريل يوميًا إلى نحو 160 جنيهًا ذهابًا وإيابًا، أي ما يقارب 4000 جنيه شهريًا، وهو رقم يلتهم نسبة كبيرة من دخل شريحة واسعة من العاملين.
هذه الأرقام تطرح إشكالية جوهرية: لمن صُمم هذا المشروع؟
إذا كان الهدف تخفيف الزحام وتقديم وسيلة نقل جماهيرية، فإن التسعير الحالي قد يُخرج قطاعًا كبيرًا من المستخدمين المحتملين من المعادلة. وفي المقابل، فإن الفئات الأعلى دخلًا، التي يُفترض أن المشروع يخدم مناطق سكنها، قد لا تجد دافعًا حقيقيًا للتخلي عن سياراتها الخاصة لصالح وسيلة نقل جماعي، مهما بلغت درجة تطورها.
من زاوية أخرى، تعتمد مشروعات النقل الحديثة عادة على معادلة دقيقة بين التكلفة والعائد، ليس فقط اقتصاديًا، بل اجتماعيًا أيضًا. فنجاح أي وسيلة نقل لا يُقاس فقط بإيراداتها، بل بمدى استخدامها وانتشارها وتأثيرها على تقليل الازدحام وتحسين جودة الحياة.
وهنا يبرز التساؤل حول دقة دراسات الجدوى:
هل بُنيت على افتراضات واقعية لسلوك المستخدم المصري؟
هل أخذت في الاعتبار مستويات الدخل الفعلية، وأنماط التنقل اليومية، وبدائل النقل المتاحة؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، فقد يواجه المشروع تحديًا حقيقيًا في تحقيق معدلات تشغيل مرتفعة، وهو ما قد يؤثر على عوائده الاقتصادية ويزيد من الأعباء المالية المرتبطة به.
هل دراسات الجدوى صادقة؟
لا يمكن الجزم بفشل أو نجاح المشروع بشكل مطلق، لكن هناك مؤشرات تستدعي المراجعة:
فجوة التسعير والدخل:
السعر الحالي قد لا يتناسب مع شريحة كبيرة من المستخدمين المحتملين.
سلوك المستهلك: الاعتماد على افتراض انتقال أصحاب السيارات الخاصة إلى النقل الجماعي ليس مضمونًا.
العائد غير المباشر: ربما تراهن الدولة على فوائد أخرى مثل تقليل التلوث، ودعم التوسع العمراني، وربط المدن الجديدة.
إمكانية التعديل: كثير من مشروعات النقل تبدأ بتسعير معين ثم يتم تعديله لاحقًا عبر اشتراكات أو دعم جزئي.
بالتالي، قد تكون دراسات الجدوى “اقتصاديًا” صحيحة على الورق، لكنها تحتاج إلى مرونة في التطبيق حتى تتماشى مع الواقع الاجتماعي.
المونوريل ليس مجرد وسيلة نقل، بل اختبار حقيقي لقدرة السياسات العامة على تحقيق التوازن بين التطوير والعدالة الاجتماعية. فالمواطن لا يعترض على التحديث، بل يتساءل: هل هذا التطوير يشمله أم يستبعده؟
نجاح المشروع لن يُقاس بفخامته أو تكلفته، بل بعدد الركاب الذين يعتمدون عليه يوميًا. وإذا لم تُعاد دراسة التسعير وآليات الاستخدام، فقد يتحول من حل لأزمة المواصلات إلى عبء جديد يثير مزيدًا من الجدل.
المونوريل مشروع واعد من حيث الفكرة، لكن نجاحه مرهون بقدرته على خدمة المواطن العادي، لا أن يصبح رفاهية أو تجربة عابرة. والتحدي الحقيقي الآن ليس في تشغيله، بل في جعله قابلًا للحياة داخل واقع اقتصادي صعب.



