شيركو حبيب يكتب: الرابح والخاسر في حرب الشرق الأوسط

لم يلتفت كثيرون إلى النتائج المؤقتة أو طويلة الأجل للحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتي تتسع دائرتها رغم الهدنة المعلنة بين أمريكا وإيران، حيث استمرت الأخيرة باستهداف دول الخليج والعراق، ودخلت إسرائيل بأعنف هجوم الأربعاء على لبنان، بينما العلاقات معقدة بين كافة الأطراف، والتاريخ يقدم لنا قراءات أولية للمشهد الأكثر عجبا في المنطقة.

 

نبذة تاريخية عن العلاقات الأمريكية الإيرانية:

 

تعود العلاقات السياسية بين إيران والولايات المتحدة إلى أواخر القرن الثامن عشر. إلا أن هذه العلاقات لم تكن ذات أهمية تُذكر حتى اندلاع الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وبدء تصدير النفط من الخليج العربي. وقد شهدت هذه العلاقات توترات عديدة، بدءًا من تعاون الحكومة الأمريكية مع الشاه رضا بهلوي، واستمرارًا حتى الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩.

 

في عهد شاه إيران، محمد رضا بهلوي، اتسمت العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران بطابع خاص للغاية. وظلت العلاقات مع الرجل القوي الأمريكي، الذي كان يُعرف آنذاك بـ”شرطة الخليج”، متينة بعد دعوته لتولي حكم إيران عام 1941 خلفاً لوالده، رضا شاه، الذي أثار قلق واشنطن وحلفائها في الحرب العالمية الثانية.

 

تدهورت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بعد موافقة الأخيرة على استقبال الملك المخلوع بهلوي لتلقي العلاج. في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، هاجم طلاب جامعيون إيرانيون غاضبون السفارة الأمريكية، واحتجزوا 52 موظفًا كرهائن، مطالبين بعودة الشاه. وعليه، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في 7 أبريل/نيسان 1980، بمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. أفرجت إيران عن الرهائن الـ 52 في 20 كانون الثاني 1981، وهو يوم تنصيب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

 

ظلت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة متوترة حتى 3 يوليو/تموز 1988، عندما أسقط الأمريكيون طائرة إيرباص إيرانية، ما أسفر عن مقتل 290 راكباً إيرانياً. في ذلك الوقت، نفى المسؤولون الأمريكيون أي مسؤولية قانونية عن الحادث ولم يقدموا أي اعتذار رسمي. وصرح جورج بوش الأب، الذي كان مرشحاً للرئاسة عام 1988، بأنه لن يعتذر.

 

في فترة رئاسة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي (1997-2005) دعى إلى “حوار مع الأمريكيين” وأثارت توقعات بكسر الجمود في العلاقات بين البلدين، لكن لم يتم إحراز أي تقدم كبير في العلاقات السياسية.

 

حرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران:

 

بعد أن حاولت إيران الحصول على أسلحة نووية وكادت أن تنجح في ذلك، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إقناعها بالتخلي عنها، لكن إيران رفضت، ما أدى إلى شن البلدين هجومًا عليها في يونيو من العام الماضي.تواصلت الجهود لتدمير الأسلحة، رغم إعلان الولايات المتحدة أنها دمرت الأسلحة والذخائر.

 

إلا أن حرباً أخرى استمرت أربعين يوماً، تبادلت خلالها إسرائيل وإيران إطلاق الصواريخ بكثافة، كما استهدفت إيران دول الخليج بسبب وجود قواعد أمريكية فيها، واستهدفت كوردستان دون مبرر. استشهد عدد من قوات البيشمركة والمدنيين، وأصيب آخرون بجروح.

 

الوقف المؤقت لإطلاق النار:

في ثقافتنا الكوردية، يقولون (لا أحد يقول إن (اللبن) زباديه حامض)، وفي الحرب لا أحد يقول إنه خسران، حتى لو خسر.

 

إلى جانب الأضرار التي لحقت بإيران وإسرائيل، وهما قطبا الحرب الرئيسيين، تكبدت دول الخليج خسائر فادحة، حيث دُمرت بنيتها التحتية، وتكبد العراق خسائر اقتصادية أيضا، ولكن الجدير بالذكر أنهم جميعًا يقولون إننا انتصرنا. وتمكّنا من إضعاف القوات العسكرية لكل من هذه الدول. لكن المتضرر الحقيقي هو الشعب في كل بلد طالته الحرب ونال منه القصف.

 

بحسب النقاط التي أعلنتها إيران ووافق عليها ترامب، فقد انتصرت إيران، ولكن هل هذه هي النقاط حقيقية فعلاً؟ إذا واصلت إيران تطوير أسلحتها النووية، وانسحبت الولايات المتحدة من المنطقة، مع قواعدها، رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. الإفراج عن الأرصدة الإيرانية إذا كان ذلك صحيحًا، ووافق ترامب على هذه الشروط، فلماذا قامت الحرب؟ مع أن ترامب رجل اعمال، التجارة قبل السياسة، إلا أن بلاده ضاعفت الأزمة وأثقلت كاهلها بالتكاليف، ومع أن البيت الأبيض نفى أن تكون ما نشرتها إيران هي بنود الاتفاق، ومع ذلك فالولايات المتحدة لم تكشف عن التفاصيل، إلا أنه قد يكون هناك اتفاق سري أبرمه ترامب، بالإضافة إلى لجوء الشركات الأمريكية إلى الخليج لإجراء إصلاحات.

 

إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فلن يدوم وقف إطلاق النار طويلاً، وستندلع الحرب مجدداً. وتقول إسرائيل إن وقف إطلاق النار في جنوب لبنان غير مشمول بالاتفاق والهدنة، فهل تترك إيران حزب الله وقد ضربت قواتها لبنان بعنف خلال الساعات الماضية؟

 

من جهة أخرى، بات من الواضح أنه إذا لم يكن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، من يدافع عن دول الخليج، فلن تستطيع دوله الدفاع عن نفسها. هذه حقيقة تؤكدها ظاهرة القواعد العسكرية المنتشرة داخل حدودها رغم انتفاء أسباب وجودها منذ عقود، فحرب تحرير الكويت انتهت، وبعدها وغاب عن المشهد نظام صدام حسين كله منذ العام 2003.

 

إن الرابح الأول في الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط هم الكبار، دول السيطرة وشركات تصدير السلاح التابعة لها مع نظيراتها المتخصصة في إعادة الإعمار والطاقة، ومعها أي قوة صاعدة بأسلحة خطرة على العالم، أما الخاسر من الحرب ذاتها فهم الشعوب و بلدانهم الباحثة عن أسباب التنمية والاستقرار، وبعضها ظل يناهض الإرهاب وعصاباته وتنظيماته المسلحة نيابة عن العالم، وأولها العراق وكوردستان، وشهداء البيشمركة الكوردية لاتزال دماؤهم على أرض ميادين المواجهة مع داعش، ومن يأتون بعده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى