د. رائد ناجي يكتب: حين تمشي الخطابات العربية على وجوهها: قراءة في ضلال الاتجاه

قبل عجز الحركة ليست أزمة الخطاب العربي اليوم في قلة ما يقول، بل في عجزه عن أن يعرف لماذا يقول، ولمن يقول، وإلى أين يقود.

وإذا استعرنا الصورة القرآنية العميقة: “أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم”، فإننا نجد أنفسنا أمام مشهدٍ صارخ: خطابٌ كثير الحركة، عظيم الضجيج، لكنه مكبٌّ على وجهه، يتقدم في الظاهر، ويتراجع في الجوهر.

إن الخطاب العربي المعاصر يعيش حالة من الانفصال البنيوي بين “القول” و”الهداية”. فكم من منابر ترتفع، وكم من مقالات تكتب، وكم من شاشات تبث، لكن الحصيلة النهائية هي مزيد من التيه، ومزيد من الالتباس، ومزيد من فقدان البوصلة. ذلك لأن المشكلة ليست في كثافة الخطاب، بل في غياب الصراط الذي يهديه.

إن “المكبّ” في هذا السياق ليس مجرد خطابٍ ضعيف، بل هو خطابٌ مختلّ الوجهة. إنه الذي يلهث خلف اللحظة، ويطبع مع السائد، ويعيد إنتاج المقولات دون مساءلة. خطابٌ يتغذى على ردود الأفعال، لا على بناء الأفعال. فإذا اشتعل حدثٌ، اشتعل معه؛ وإذا خمد، خمد. لا يحمل رؤية، بل يعكس ارتباكا. لا يصنع المعنى، بل يستهلكه. ولعل أخطر تجليات هذا المكبّ، هو ذلك الخطاب الذي يبرر العجز تحت مسميات الحكمة، ويعيد تأويل الهزيمة بوصفها قدرا، ويغلف الاستسلام بغلاف الواقعية. هنا لا يعود الخطاب مجرد انعكاس للأزمة، بل يصبح أداة لتكريسها.

إنه لا يكتفي بالسقوط على وجهه، بل يدعو الآخرين إلى السقوط معه، تحت شعارات مضللة، ومفاهيم مفرغة من روحها. في المقابل، يغيب أو يُغَيَّبُ الخطاب الذي يمشي سويا على صراط مستقيم. هذا الخطاب ليس بالضرورة صاخبا، لكنه عميق. لا يطارد الأحداث، بل يقرأها في سياقها. لا ينفعل، بل يفعل.

إنه خطابٌ يمتلك رؤية كلية، تربط بين الجزئي والكلي، بين الواقع والمآل، بين الإنسان والرسالة. خطابٌ يستمد معاييره من الوحي، ويستأنس بالعقل، ويتحرك في التاريخ بوعي، لا بانفعال. إن الفرق بين الخطابين ليس في اللغة، بل في البنية. فكم من خطابٍ بليغٍ هو في حقيقته مكبّ، لأنه يزين الانحراف ولا يصححه. وكم من خطابٍ بسيطٍ هو مستقيم، لأنه يضع قدمه على الطريق الصحيح، ولو بخطى متأنية. إن الاستقامة هنا ليست زخرفا بيانيا، بل انضباطا منهجيا، يحدد ما يقال، وما لا يقال، ومتى يقال، ولماذا يقال. وفي زمن المنصات الرقمية، تضاعفت أزمة المكبّ.

إذ أصبح بإمكان أي صوتٍ أن يتحول إلى “مرجعية”، وأي رأيٍ أن يُسوَّق بوصفه “حقيقة”. فاختلطت الأصوات، وتداخلت المفاهيم، وضاعت الحدود بين العلم والجهل، بين التحليل والتسويق، بين النصح والتضليل. وهنا، لا يكون الخطر في كثرة الأصوات، بل في غياب المعيار الذي يميز بينها.

إن الخطاب الذي يمشي سويا على صراط مستقيم، لا ينجرف مع التيار، بل يقوّمه. لا يسعى إلى إرضاء الجمهور، بل إلى إيقاظه. لا يبرر الواقع، بل يسعى إلى تغييره وفق ميزان الحق. إنه خطابٌ يملك شجاعة السؤال، قبل أن يملك براعة الجواب.

لأنه يدرك أن السؤال الصحيح هو نصف الهداية، وأن الجواب بلا بوصلة قد يكون بابا جديدا للضلال. ومن هنا، فإن إعادة بناء الخطاب العربي لا تبدأ من تحسين لغته، بل من تصحيح وجهته. لا من مضاعفة إنتاجه، بل من إعادة تعريف وظيفته. هل هو أداة لتبرير الواقع، أم وسيلة لتغييره؟ هل هو صدى للأحداث، أم صانعٌ للوعي؟ هل يمشي على وجهه، فيلاحق كل ما يلمع، أم يمشي سويا، فيلتزم بما يصدق؟ إن الآية الكريمة لا تزال تطرح سؤالها، لكن هذه المرة على مستوى الخطاب لا الأفراد: أيُّ خطابٍ أهدى؟ ذلك الذي يملأ الفضاء ضجيجا، أم ذلك الذي يشق طريقه في عمق الوعي؟ ذلك الذي يساير اللحظة، أم الذي يبني المعنى عبر الزمن؟.

في النهاية، ليست المشكلة أن الخطاب العربي يتحرك كثيرا، بل أنه لا يعرف إلى أين يتحرك. وتلك هي مأساة “المكبّ”: حركة بلا هداية. أما الأمل، فيبقى مع كل خطابٍ يحاول أن يستقيم، أن يعيد وصل الكلمة بالمعنى، والقول بالفعل، والإنسان بالرسالة. ذلك هو التحدي: أن ننهض من السقوط على الوجوه، إلى المشي على الصراط. لا بكثرة الكلام، بل بصدق الاتجاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى