محمد مطر: النشالون لا يرحلون.. “خفة اليد” مهنة عابرة للأزمان
في لحظة غفلة، ظننت أن زمن “الخفة” والنشل قد ولى مع أفلام الأبيض والأسود، لكن الواقع يصفعني بقسوة لأفيق من هذا الوهم الجميل، بالأمس كنت أسير في سكون ذاهبًا إلى عملي، وإذا بشعور جديد يلامس روحي بأن شيئًا قد أخذ من جيبي، بعد خطوات معدودة وتفتيش ذاتي تيقنت أنني فقدت تليفوني، لم أفقد مجرد قطعة من المعدن والزجاج، بل فقدت شعوراً بالأمان كنت أظنه مستقراً في مخيلتي، كنت أسير وأنا أظن أن الحداثة قد هذبت النفوس، أو أن التكنولوجيا قد جعلت من السرقة أمراً معقداً، فإذا بي أكتشف أن “خفة اليد” لا تزال مهنة عابرة للأزمان، وأن أولئك الغائبين عن الضمير لا يزالون يتربصون بلحظات السكينة في عيون العابرين.
المؤلم في تجربة النشل ليس قيمة الهاتف المادية فقط، بل ذلك الشعور بالاختراق، أن يمد غريب يده داخل حيزك الخاص دون أن تشعر، وكأنك كنت في غيبوبة قصيرة وهو وحده من كان مستيقظاً ليقتنص الفرصة.
هؤلاء النشالون لم ينتهوا كما ظننت، بل ربما صاروا أكثر دهاءً، يختفون وسط الزحام بوجوه عادية لا تثير الريبة، ينتظرون تلك اللحظة التي يبتعد فيها ذهنك عن الواقع ليخطفوا جزءاً من عالمك.
هذه التجربة، رغم مرارتها، لكنها دعوة قاسية للعودة إلى التركيز، بل اليقظة الإنسانية الفطرية التي تحمينا من غدر اللحظة، نكتب اليوم عنهم، ليس من باب الوعظ، بل من باب تدوين الخيبة، لعل الكلمات تبرد نار الفقد، ولعل القلم يرمم ما كسرته يد مجهولة في زحام الطريق، معلنةً أن المعركة بين الخير والشر، بين الصدق والخديعة، لا تزال قائمة، حتى وإن توهمنا غير ذلك.
وإلى لقاء إن قدر الله لنا البقاء…

