مراسلو المواقع الإلكترونية.. صحفيون في الميدان ينتظرون الاعتراف بمجهودهم

يعمل مراسلو المواقع الإلكترونية في الميدان، وينقلون الأخبار لحظة بلحظة، لكنهم لا يزالون يواجهون تساؤلات بشأن فرص قيدهم بنقابة الصحفيين.

في شوارع المحافظات وميادينها، وبين المستشفيات وأقسام الشرطة والمؤتمرات والفعاليات الجماهيرية، يعمل هؤلاء المراسلون في ظروف مهنية ليست سهلة. يتابعون الأحداث على مدار الساعة، ويسابقون الزمن للوصول إلى المعلومة الصحيحة ونقلها إلى القارئ في أسرع وقت ممكن.

 

وبين هؤلاء صحفيون يمتلكون خبرات ميدانية حقيقية، وقدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات، ومهارات في التغطية والتحرير وصناعة المحتوى الصحفي. بعضهم أمضى سنوات طويلة في الميدان، وشارك في تغطية أحداث مهمة، واكتسب خبرة عملية في التعامل مع مصادر الأخبار وتفاصيل المهنة.

 

ومع ذلك، يظل عدد من هؤلاء أمام معضلة تتجاوز حدود العمل اليومي؛ فهم يمارسون المهنة ويتحملون أعباءها، لكنهم يتساءلون عن فرص الحصول على الاعتراف المهني الذي يطمحون إليه، وعلى رأسه القيد بنقابة الصحفيين.

يوم عمل لا يعرف موعدا للنهاية

تبدأ حكاية المراسل الميداني في كثير من الأحيان بمكالمة هاتفية عن حادث أو واقعة أو قرار جديد، وقد تبدأ بمنشور متداول يحتاج إلى التحقق، أو بحدث مفاجئ يفرض عليه التحرك دون انتظار.

 

يترك المراسل منزله ويتجه إلى مكان الواقعة، محاولا الوصول إلى المعلومات من مصادرها، والتأكد من التفاصيل، والتقاط الصور، وإعداد الخبر وإرساله إلى غرفة التحرير. وقد يضطر إلى الانتقال بين أكثر من موقع في اليوم الواحد، دون أن يعرف متى سينتهي عمله أو متى ستتاح له فرصة للراحة.

 

وفي المحافظات، تتضاعف بعض هذه الأعباء بسبب اتساع المسافات، وتعدد مراكز المدن والقرى، وصعوبة الوصول أحيانا إلى مصادر المعلومات. وقد يقضي الصحفي ساعات في انتظار تصريح أو معلومة، ثم يعود ليبدأ مهمة أخرى، بينما لا يرى القارئ من كل هذا سوى خبر قصير ظهر على شاشة هاتفه.

 

ولا تتوقف المعاناة عند المجهود البدني؛ فهناك تكاليف الانتقالات والاتصالات والإنترنت، وضغط السبق الصحفي، والمنافسة بين المواقع، والمسؤولية المترتبة على نشر معلومة غير دقيقة. وقد يواجه بعض المراسلين صعوبات تتعلق بالأجور والاستقرار الوظيفي، إلى جانب الأعباء اليومية للعمل الميداني.

 

ورغم ذلك، يواصل كثيرون عملهم بدافع الانتماء إلى الصحافة، والإيمان بأن الخبر مسؤولية، وأن الوصول إلى الحقيقة يستحق بذل الجهد.

السبق الصحفي لا يكفي وحده

فرضت المواقع الإلكترونية واقعا جديدا على العمل الصحفي. فلم يعد القارئ ينتظر الصحيفة المطبوعة في صباح اليوم التالي لمعرفة ما جرى، بل أصبح يتابع الأحداث لحظة بلحظة، وينتظر التحديثات الفورية والتفاصيل المتتابعة.

 

وفي قلب هذا التحول يقف المراسل الميداني، الذي يتحمل مسؤولية نقل الحدث من مكانه إلى غرفة الأخبار، والتحقق من المعلومات، ورصد ردود الفعل، ومتابعة تطورات الواقعة بعد نشر الخبر الأول.

 

لكن سرعة النشر لا تعني أن العمل سهل، كما أن امتلاك هاتف ذكي لا يجعل كل من يستخدمه صحفيا محترفا. فالفارق الحقيقي تصنعه القدرة على التحقق، ودقة الصياغة، وفهم السياق، واحترام القواعد المهنية، والتمييز بين المعلومة المؤكدة والشائعة.

 

وهنا تظهر قيمة الصحفي الذي اكتسب خبرته بالممارسة، وصقل أدواته بالتدريب، وأثبت قدرته على أداء عمله بمسؤولية. فهناك مراسلون بالمواقع الإلكترونية يمتلكون مهارات مهنية تستحق التقييم الجاد، وبعضهم يقدم عملا صحفيا متميزا في ظروف صعبة، رغم محدودية الإمكانات التي يعمل بها.

 

ومن الظلم اختزال هؤلاء جميعا في صورة واحدة، أو الحكم عليهم لمجرد أنهم يعملون في مواقع إلكترونية، تماما كما لا يصح منح أي شخص صفة الصحفي المحترف لمجرد نشر الأخبار عبر الإنترنت.

نقابة الصحفيين.. أين تبدأ المشكلة؟

يظل القيد بنقابة الصحفيين حلما مهنيا لدى كثير من العاملين بالمواقع الإلكترونية، لما يمثله من مكانة معنوية وما يرتبط به من حقوق ومظلة مهنية وشعور بالانتماء إلى كيان يدافع عن أعضائه ويحمي مصالحهم.

 

ومن هنا، يبرز السؤال: لماذا يواجه بعض العاملين بالمواقع الإلكترونية صعوبة في استيفاء شروط القيد بالنقابة، رغم سنوات العمل والتغطية الميدانية والخبرة التي اكتسبوها؟

 

الإجابة لا ينبغي أن تقوم على افتراض أن النقابة ترفض هؤلاء جميعا، أو أن كل من يعمل بموقع إلكتروني يستحق القيد تلقائيا. فهناك شروط وإجراءات قانونية ومهنية تحكم العضوية، كما أن التحقق من طبيعة العمل الصحفي واستمراره ومصداقية المؤسسة التي يعمل بها المتقدم أمور لا يمكن تجاهلها.

 

لكن وجود ضوابط للقيد لا يلغي ضرورة طرح الأسئلة بشأن مدى وضوح الإجراءات، وتناسبها مع التطورات التي شهدتها الصحافة الإلكترونية، والسبل المتاحة أمام الصحفيين الجادين لإثبات مهنيتهم واستيفاء الشروط المطلوبة.

 

فإذا كان المراسل يعمل بصورة منتظمة، ويقدم إنتاجا صحفيا موثقا، ويؤدي مهامه في مؤسسة صحفية مستوفية للضوابط، فمن حقه أن يعرف بوضوح ما المطلوب منه، وما الذي ينقص ملفه، وما المسار المتاح أمامه لاستكمال إجراءات القيد، وفقا للقواعد المنظمة.

 

المشكلة التي تستحق النقاش ليست في المطالبة بفتح الباب دون ضوابط، وإنما في ضمان أن تكون الضوابط واضحة، وأن تتاح الفرصة لتقييم الخبرة والكفاءة بصورة عادلة، وألا تصبح طبيعة الوسيلة التي يعمل بها الصحفي وحدها سببا في تجاهل جهده، متى استوفى الشروط المقررة.

بين الموهبة وغياب الاستقرار

خلف كل مراسل ميداني حكاية لا يعرفها القارئ. هناك من بدأ العمل الصحفي بإمكانات محدودة، واعتمد على التعلم المستمر حتى أتقن كتابة الخبر وإعداد التقرير. وهناك من قضى سنوات في متابعة الملفات الخدمية، ونقل شكاوى المواطنين، ورصد أوجه القصور، ومتابعة استجابات المسؤولين.

 

لكن الموهبة وحدها لا تصنع بيئة عمل مستقرة. فالصحفي يحتاج إلى مؤسسة واضحة المسؤوليات، وأجر عادل، وتدريب مستمر، وحماية مهنية، وقواعد تضمن حقوقه وواجباته. ويحتاج أيضا إلى أن يعرف أن سنوات الخبرة التي يقضيها في الميدان يمكن أن تتحول إلى مسار مهني واضح، لا إلى سنوات متراكمة من العمل دون أفق معلوم.

 

ولا يجوز أن تتحول المعاناة إلى مبرر لتجاوز شروط المهنة، كما لا ينبغي أن تصبح الشروط عائقا أمام الكفاءات التي تستطيع إثبات استحقاقها وفق القواعد المعمول بها.

 

فالصحافة مسؤولية قبل أن تكون لقبا، لكنها في الوقت نفسه مهنة لها حقوق، ومن يمارسها بجدية يحتاج إلى منظومة تنظم عمله وتحميه وتمنحه فرص التطور.

المطلوب حوار مهني جاد

إن فتح حوار جاد بين نقابة الصحفيين والعاملين بالمواقع الإلكترونية والمؤسسات الصحفية المعنية يمكن أن يساعد في تحديد المشكلات الحقيقية، بعيدا عن التعميم أو تبادل الاتهامات.

 

ويبدأ ذلك بتوضيح شروط القيد وإجراءاته، وبيان المستندات المطلوبة، وتحديد سبل التحقق من حقيقة الممارسة الصحفية، مع مراعاة التطورات التي طرأت على المؤسسات والمنصات الصحفية الرقمية، في إطار القانون واللوائح المنظمة.

 

كما أن للمؤسسات الصحفية مسؤولية أساسية في هذا الملف؛ إذ لا يكفي أن تطلب من مراسليها تغطية الأحداث على مدار الساعة، بل عليها أن توفر لهم عقودا واضحة متى انطبقت شروطها، وأجورا مناسبة، وتدريبا مهنيا، وبيئة عمل تحترم حقوقهم وتساعدهم على أداء واجباتهم بصورة مسؤولة.

 

ومن المهم كذلك أن يسعى الصحفيون أنفسهم إلى تطوير مهاراتهم، والالتزام بمعايير الدقة والتحقق، والاحتفاظ بما يثبت طبيعة عملهم وإنتاجهم الصحفي، والاطلاع على الشروط الرسمية للقيد، حتى تكون مطالبهم قائمة على أسس مهنية واضحة.

 

فالمطلوب ليس منح امتيازات بلا معايير، وإنما إتاحة مسار عادل وواضح أمام كل من يثبت أنه يمارس الصحافة بالفعل، ويستوفي الشروط القانونية والمهنية اللازمة.

الاعتراف بالمهنة يبدأ من الميدان

لا يطلب مراسلو المواقع الإلكترونية أن يحصلوا على مكانة لا يستحقونها، ولا أن تتجاهل النقابة الفروق بين من يمارس الصحافة بمهنية ومن يكتفي بنقل المحتوى دون تحقق. ما يستحقونه هو أن ينالوا فرصة عادلة لإثبات كفاءتهم، وأن يجدوا إجابات واضحة عن أسئلتهم، وأن تكون خبراتهم موضع تقييم جاد، وفقا للقواعد المنظمة.

 

فمن يقف في الشارع تحت حرارة الشمس، أو يتحرك بين مواقع الأحداث، أو ينتظر ساعات للوصول إلى معلومة موثوقة، لا ينبغي أن يضيع جهده بين متطلبات العمل اليومية وغموض مستقبله المهني.

 

والنقابة، باعتبارها كيانا مهنيا يدافع عن الصحفيين وينظم شؤون المهنة، يمكنها أن تؤدي دورا مهما في توضيح المسارات المتاحة أمام العاملين بالمؤسسات الصحفية الإلكترونية، بما يحفظ قيمة العضوية، ويصون معايير المهنة، ويفتح المجال أمام الكفاءات المستحقة.

 

لا تُقاس الصحافة باسم الوسيلة وحده، ولا بسرعة نشر الخبر فقط، وإنما بجودة العمل، ودقة المعلومة، واحترام القارئ، والالتزام بأخلاقيات المهنة. وبين هذه المعايير وحق الصحفي في الاعتراف بجهده، تظل الحاجة قائمة إلى حوار مسؤول يضع حلولا عملية لمشكلات العاملين بالمواقع الإلكترونية.

 

فهل آن الأوان لفتح هذا الملف بصورة أكثر وضوحا، والاستماع إلى مراسلي المواقع الإلكترونية، ودراسة أوضاع المستحقين منهم، حتى لا تبقى سنوات العمل الميداني مجرد خبرات متراكمة بلا مسار مهني واضح؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى