شريف الريس يكتب: خط بارليف يتهاوى أمام المجد: كيف أعاد أكتوبر الكرامة وشيّد جسور الكبرياء

تجيء ذكريات السادس من أكتوبر من كل عام حاملةً في نسائمها ريح العزة والأنفة، ومذكرةً العالم بأسرهم بملحمة خالدة سترسخ ما حييت الشعوب في أنصع صفحات التاريخ الإنساني الحديث. لم يكن السادس من أكتوبر مجرد معركة عسكرية حُسمت فيها السيطرة على خطوط القتال، بل كان لحظة تجلٍّ فارقة لمعنى الإرادة الصلبة، واستعادة مجيدة للكرامة الوطنية التي أراد العُداة سلبها، فإذا بها تعود أشدَّ سطوعًا وأصعب مرامًا.

لقد توهّم البعض، عقب نكسة عام 1967، أن الأمة المصرية قد كُسرت إرادتها إلى الأبد، واستند العدو إلى بروباغندا عسكرية عريضة روّجت لأسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتحصّن خلف مانع مائي عتيد وساتر ترابي شاهق عُرِف بـ “خط بارليف”. كان هذا الخط الساتر مانعًا صلبًا مدعومًا بأعتى التحصينات الخرسانية والخطوط الدفاعية التي ظن خبراء الاستراتيجية في العالم أن اختراقها يتطلب قنابل ذرية أو تضحيات بشرية تقارب المستحيل. لكنهم نسوا عاملًا إستراتيجيًا حاسمًا لم يدخل في حسابات حواسيبهم المعقدة: عقيدة الجندي المصري، الممتدة جذورها عبر ستة آلاف عام من الحضارة والتاريخ.

في ظهيرة ذلك اليوم الخالد، وفي تمام الساعة الثانية بعد الظهر، تحول الهدوء الظاهري إلى بركان ينفجر عزيمةً وإصرارًا. عبر أبناء مصر مانع قناة السويس الصعب، وبأبسط الأدوات وأعظم الأفكار الاستراتيجية العبقرية؛ خَرقت خراطيم المياه البسيطة أسطورة الساتر الترابي الخرساني، وتداعت التحصينات العتيدة أمام صيحات “الله أكبر” التي هزت أركان مدرعات العدو وجعلت حصونه قاعًا صفصفًا.

إن الجندي المصري الذي وقف في مواجهة خط بارليف لم يكن يدافع عن قطعة أرض فحسب، بل كان يستحضر في أعماقه تاريخًا ضاربًا في القدم، وروح أجداده الفراعنة الأوائل الذين شيّدوا أول وأعرق إمبراطوريات التاريخ، وعلموا العالم معاني الإقدام والشموخ. لقد التقت عبقرية المخطط المصري بأصالة الفلاح البسيط، لتنسج ملحمة بطولية برهنت للعالم أجمع أن الكرامة المصرية خط أحمر، وأن الاستهانة بقدرات هذا الشعب هي الرهان الخاسر دوماً.

لم يقتصر النصر على العبور العسكري وتحطيم الموانع الهندسية، بل تمثل أساسًا في العبور النفسي؛ عبرت مصر من مرارة الهزيمة والشديد من الانكسار إلى رحاب الثقة المطلقة في الذات وإعادة بناء الهوية الوطنية على قاعدة القوة والعدل. وُضعت قواعد جديدة للتوازن الإقليمي، وأُجبر العالم بأسره على احترام الإرادة المصرية، والاعتراف بأن هذا الشعب حين يقرر صناعة قدره، لا توجد قوى في الأرض قادرة على وقفه.

سيبقى أكتوبر العظيم شهادة تاريخية حية تتوارثها الأجيال؛ شهادة تؤكد أن الأمة المصرية قد تمرض أو تواجه أعتى الشدائد، لكنها أبداً لا تموت ولا ترضى بالهوان. إنه النصر الذي أعاد رسم الخريطة، وردّ الكرامة لكل مصري وعربي، وجعل من خط بارليف رمزًا لتهاوي الأوهام أمام صخرة العقيدة والإرادة الوطنية الصلبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى