أسرار صناعة العِصِي في الحسين.. كيف تتحول قطعة خشب إلى تذكار سياحي؟

الحاج محمد القاضي في حوار لـ«للجالية العربية »: الأبنوس والخامات الحديثة يحددان التكلفة.. والسياح يبحثون عن الطابع التراثي

حوار/ عاطف طلب

في أزقة الحسين، لا تزال الحرف التقليدية تحافظ على حضورها، رغم تغيرات الزمن وتبدل أنماط الاستهلاك. ومن بين هذه الحرف تبرز تجارة العِصِي، التي تجاوزت وظيفتها التقليدية كأداة للمشي والاتكاء، لتتحول بعض أنواعها إلى قطع تراثية وتذكارية تجذب الزوار والسائحين.

وفي حوار خاص لموقع «الجالية العربية»، يكشف الحاج محمد القاضي، أحد صانعي وبائعي العِصِي بمنطقة الحسين، تفاصيل المهنة وأشهر خاماتها، والفروق بين الأبنوس الطبيعي والصناعي، وتأثير تطور الخامات وتكاليف التصنيع على الأسعار، إلى جانب دور السياحة في تغيير طبيعة الطلب على هذا المنتج التراثي.
ومن داخل السوق، تتكشف حكاية حرفة صغيرة تجمع بين الاستخدام اليومي والقيمة الجمالية، وتعكس قدرة المهن التقليدية على التكيف مع متطلبات المستهلكين.
الحاج محمد القاضي: العصا لم تعد للمشي فقط.. بل أصبحت لدى البعض قطعة للزينة والاقتناء

كيف بدأت علاقتك بمهنة بيع العِصِي؟
المهنة قديمة ومرتبطة بمنطقة الحسين منذ سنوات طويلة. وكانت العصا في الأساس وسيلة تساعد الإنسان على المشي والاتكاء، خصوصًا كبار السن. لكن مع مرور الوقت، تغيرت الأشكال والاستخدامات، وأصبح هناك من يشتريها للاستخدام اليومي، ومن يبحث عنها للزينة أو الاقتناء، بينما يفضلها آخرون هدية أو تذكارًا من القاهرة.

ما أشهر أنواع العِصِي الموجودة في السوق؟
تتنوع العِصِي بين الأنواع الخشبية التقليدية، التي تختلف بحسب نوع الخشب وطريقة التصنيع وشكل المقبض والتشطيب، وبين تصميمات تحمل نقوشًا وتفاصيل تراثية، وأخرى بسيطة تناسب الاستخدام اليومي.
وتوجد أيضًا أنواع تعتمد على تدعيم داخلي أو هياكل من خامات مختلفة، وفقًا للغرض من العصا ودرجة التحمل المطلوبة. ومن الخامات التي تحظى باهتمام خاص الأخشاب مرتفعة القيمة، مثل الأبنوس، إلى جانب الأخشاب التقليدية والخامات الحديثة.
الأبنوس الطبيعي والصناعي.. الخامة تصنع الفارق في السعر والقيمة

ما الفرق بين عصا الأبنوس الطبيعي والأنواع الصناعية التي تحاكي شكله؟
الأبنوس الطبيعي من الخامات ذات القيمة الخاصة، لما يتميز به من كثافة وصلابة ومظهر مميز، فضلًا عن اختلافات طبيعية في اللون والعروق تمنح كل قطعة طابعًا خاصًا.
أما الخامات الصناعية التي تحاكي مظهر الأبنوس، فتكون أقل تكلفة في بعض الحالات، وتعتمد على التركيب والتصنيع والتشطيب للوصول إلى شكل قريب من الخشب الطبيعي. لذلك، ليس كل ما يبدو أسود أو يحمل مظهر الأبنوس مصنوعًا بالضرورة من خشبه الطبيعي.

هل يستطيع الزبون العادي التفرقة بين النوعين؟
التفرقة تحتاج إلى خبرة، لأن التشطيب الجيد قد يجعل بعض الخامات الصناعية قريبة من الخشب الطبيعي في الشكل. ويمكن الاستعانة بمؤشرات مثل الوزن وطبيعة العروق ودرجة التجانس، لكن هذه المؤشرات ليست حاسمة بمفردها.
والأهم هو معرفة مصدر الخامة والتعامل مع تاجر لديه خبرة، لأن السعر وحده لا يكفي للحكم على نوع الخشب أو جودته.

وكيف ينعكس استخدام الأبنوس الطبيعي على سعر العصا؟
الأبنوس الطبيعي الجيد يرفع تكلفة المنتج عادةً بسبب قيمة الخامة وصعوبة تشغيلها وتشكيلها وتشطيبها. وإذا أضيف إلى ذلك مقبض مصنوع يدويًا أو زخارف ونقوش مميزة، فقد تتحول العصا من أداة للاستخدام إلى قطعة حرفية تحمل قيمة جمالية وتراثية.
من الخشب إلى الفايبر جلاس.. خامات تتطور وفقًا للاستخدام

هل تغيرت الخامات المستخدمة في صناعة العصا؟
نعم، تطورت الخامات مع الوقت. فإلى جانب الخشب، توجد أنواع تعتمد على تدعيمات معدنية لزيادة الصلابة والتحمل، كما يمكن استخدام خامات حديثة، مثل الألياف الزجاجية المسلحة «GFRP»، في بعض التطبيقات التي تتطلب خفة الوزن ومقاومة الصدأ والتآكل.
لكن اختيار الخامة يتوقف على تصميم العصا وطبيعة استخدامها والتكلفة المطلوبة، فلا توجد خامة واحدة تناسب جميع الأنواع.

وهل يمكن أن يصبح الفايبر جلاس بديلًا للحديد في صناعة العِصِي؟
يمكن استخدامه بديلًا للتدعيم المعدني في بعض التصميمات، خصوصًا عندما يكون المطلوب تقليل الوزن مع الحفاظ على الصلابة المناسبة. لكن الأمر يتوقف على طبيعة المنتج ومواصفاته، فهناك عِصِي خشبية خالصة، وأخرى تحتاج إلى تدعيم، وأنواع تعتمد على خامات حديثة.

من الخامة إلى سعر البيع.. كيف تتحدد تكلفة العصا؟و هل تؤثر الخامة بشكل مباشر على سعر العصا؟
الخامة من أهم عناصر التكلفة، لكنها ليست العامل الوحيد. فالسعر يتأثر أيضًا بعمليات القص والتشكيل، ونوع المقبض، والتشطيب والدهان والزخارف، فضلًا عن العمالة والنقل.
ولهذا، قد تباع العصا البسيطة بسعر أقل نسبيًا، بينما ترتفع تكلفة الأنواع التي تحتاج إلى عمل يدوي أو تصميم خاص أو تشطيب مميز.

وماذا عن أسعار الخامات، خصوصًا الفايبر جلاس؟
تختلف الأسعار بحسب نوع الخامة ومواصفاتها ومصدرها والمورد. وبالنسبة إلى الفايبر جلاس، لا يمكن تعميم سعر واحد على جميع الأنواع، لأن التكلفة تتغير وفقًا للمواصفات الفنية.
لذلك، يبدأ حساب تكلفة العصا من سعر الخامة المستخدمة فعليًا، ثم تضاف إليه تكاليف التصنيع والتشطيب وباقي المصروفات.
هل توجد فروق واضحة بين أسعار العِصِي الخشبية والمعدنية والمصنوعة من الفايبر جلاس؟
بالتأكيد، لكن الفارق لا يرتبط بالخامة وحدها. فالعصا الخشبية قد تكون بسيطة ومنخفضة التكلفة، وقد تكون مصنوعة يدويًا من خشب مرتفع القيمة ومزينة بنقوش، ما يرفع سعرها.
أما الأنواع التي تحتوي على تدعيم معدني أو من الفايبر جلاس، فتتحدد تكلفتها بحسب نوع التدعيم وطريقة تركيبه، إلى جانب بقية عناصر التصنيع. وبالتالي، لا توجد قاعدة ثابتة تجعل خامة بعينها الأرخص أو الأغلى في جميع الحالات.

وهل تحقق تجارة العِصِي هامش ربح جيدًا؟
هامش الربح يختلف من منتج إلى آخر؛ فالعصا الجاهزة البسيطة تختلف عن الأنواع التي تحتاج إلى تصنيع وتشطيب يدوي. ويحسب التاجر التكلفة بدءًا من الخامة وحتى وصول المنتج إلى الزبون، ثم يحدد سعر البيع وفقًا للتكلفة وحالة السوق وطبيعة المنتج.
السياح.. زبون يبحث عن الحكاية قبل الاستخدام

هل يمثل السائح جزءًا مهمًا من حركة البيع؟
للسائح اهتمام خاص ببعض الأنواع، خصوصًا العِصِي التي تحمل طابعًا مصريًا أو شرقيًا، وتتميز بالنقوش والأشكال التراثية.
فالسائح قد لا يشتري العصا لحاجته إلى استخدامها في المشي، وإنما لأنها تمثل قطعة مختلفة تحمل ذكرى من مصر. وهنا تتحول العصا من أداة للاستخدام إلى تذكار له قيمة جمالية وتراثية.

وهل تغير ذوق الزبون المصري أيضًا؟
نعم، فالزبون المصري أصبح أمام اختيارات أكثر، وأصبح بعض المستهلكين يهتمون بالشكل والمقبض والتشطيب إلى جانب المتانة. لكن كبار السن، على سبيل المثال، يركزون بصورة أكبر على الراحة والثبات وقوة العصا، لأن الاستخدام العملي يظل الأولوية بالنسبة إليهم.
سوق يتغير.. ومهنة تسعى إلى البقاء

هل ما زالت المهنة تحقق رواجًا كما كانت في الماضي؟
المهنة مستمرة، لكن السوق تغير، ولم تعد حركة البيع مرتبطة بنوع واحد من الزبائن. فهناك من يشتري للاستخدام، ومن يبحث عن هدية، ومن يفضل اقتناء قطعة تراثية، إلى جانب السائح الذي يريد الاحتفاظ بتذكار مختلف من مصر.

وما الذي تحتاجه هذه المهنة حتى تستمر؟
الحفاظ على الحرفة وتطويرها في الوقت نفسه. فمن المهم الاحتفاظ بالطابع التراثي للعصا، مع تطوير التصميمات والخامات بما يتناسب مع احتياجات المستهلك الحالي.
وتتمتع منطقة الحسين بطبيعة خاصة، ويمكن للمنتجات التي تحمل طابعًا تراثيًا أن تجد سوقًا لها، إذا قُدمت بجودة مناسبة وتصميم يجمع بين الأصالة ومتطلبات الاستخدام.

العصا.. منتج صغير يكشف اقتصاد الحرف التراثية
تكشف تجارة العِصِي في الحسين عن نموذج مصغر لاقتصاد الحرف التراثية؛ فخلف هذا المنتج البسيط سلسلة من الأنشطة تبدأ بتوفير الخامات، مرورًا بالتصنيع والتشكيل والتشطيب، ثم النقل والتسويق، وصولًا إلى المستهلك المصري أو السائح.
كما يعكس تطور الخامات محاولة أصحاب المهنة التكيف مع متطلبات السوق، إذ لا تزال العصا الخشبية التقليدية تحتفظ بمكانتها، في حين تظهر خامات أخرى، مثل المعادن والفايبر جلاس، في بعض الاستخدامات التي تتطلب خصائص مختلفة من حيث الوزن والصلابة ومقاومة العوامل البيئية.

ويمثل الأبنوس مثالًا واضحًا على تأثير الخامة في قيمة المنتج؛ فالفارق بين الخشب الطبيعي والخامات الصناعية التي تحاكي مظهره يمتد إلى الخصائص وطرق التشغيل والتكلفة، وينعكس بالتالي على سعر العصا وقيمتها الحرفية.
واللافت أن قيمة العصا لم تعد تُقاس بوظيفتها وحدها؛ فكلما اجتمع التصميم المميز والزخرفة والعمل اليدوي والطابع التراثي، اقترب المنتج من أن يكون قطعة فنية وتذكارًا يحمل خصوصية المكان.

وهكذا، تظل تجارة العِصِي واحدة من التفاصيل التي تختزن ذاكرة الحسين، وتكشف في الوقت نفسه عن سوق يتشكل وفقًا للخامات والتكلفة والسياحة وذوق المستهلك، في محاولة مستمرة لتحقيق التوازن بين أصالة الحرفة ومتطلبات العصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى