عاطف طلب يكتب: حقوق الإنسان… حين تصبح انتقائية

لم يعد الحديث عن حقوق الإنسان كما كان يومًا قضية مبدئية خالصة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة تُستخدم بانتقائية لافتة. تُرفع الشعارات حين تخدم مصالح بعينها، وتُطوى الصفحات سريعًا حين تتعارض مع حسابات القوى الكبرى. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
عن أي حقوق يتحدثون؟

في ظاهر الخطاب العالمي، تبدو الصورة مثالية؛ دعوات للحرية والعدالة والمساواة، ونصوص براقة تزين المنصات الدولية. لكن الواقع يكشف خللًا واضحًا في التطبيق، حيث تُسلّط الأضواء على دول محددة، بينما تُترك انتهاكات جسيمة في أماكن أخرى في الظل، وكأن المعيار لم يعد إنسانيًا بقدر ما أصبح سياسيًا بامتياز.
وعلى المستوى الداخلي، لا يمكن تجاهل الجهود المبذولة لتحسين جودة الحياة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وإطلاق مبادرات تستهدف صحة المواطن وكرامته. وهي خطوات تمس جوهر حقوق الإنسان الحقيقي، الذي يبدأ من توفير حياة آمنة وكريمة، ويتجاوز الشعارات إلى أفعال ملموسة على الأرض.

كما أن تطوير السياسات العامة وتحديث الاستراتيجيات المرتبطة بهذا الملف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حقوق الإنسان ليست ملفًا جامدًا، بل منظومة تتطلب مراجعة مستمرة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه المنطقة.

لكن المشهد الدولي يظل مثيرًا للجدل؛ شعوب تعاني ويلات الحروب، ومدن تُمحى من الخرائط، وأرواح تُزهق يوميًا، دون أن يقابل ذلك نفس الزخم في الخطاب أو الاهتمام. بل إن بعض من يرفعون راية الحقوق، هم أنفسهم من يغضّون الطرف عن هذه المآسي، أو يساهمون فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتتجلى المفارقة في أن دولًا تتحمل أعباءً ضخمة، كاستضافة ملايين اللاجئين أو مواجهة تحديات أمنية معقدة، تجد نفسها دائمًا تحت مجهر الانتقاد، بينما يتم التغاضي عن ممارسات أكثر ازدواجية وأقل التزامًا.

الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها… أن حقوق الإنسان لم تعد مبدأً ثابتًا، بل أصبحت تُفصَّل حسب المقاس. تُستخدم كورقة ضغط حين تقتضي المصالح، وتُركن جانبًا حين تتعارض معها. يتحدثون كثيرًا عن الحقوق… لكنهم لا يرونها إلا بعين واحدة، أما العين الأخرى فمغلقة بإحكام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى