عبدالقادر أبو البشر يكتب : من بكين إلى القاهرة… أين موقع السودان في الخريطة الجديدة؟

حين يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ القاهرة للمرة الأولى منذ عشرين عاما، وتُطرح أمامه ملفات الصناعة والزراعة والطاقة والاتصالات والموانئ والاقتصاد الرقمي، فإننا لا نكون أمام زيارة عادية أو عابرة، بل أمام عملية لإعادة رسم موازين الاقتصاد والنفوذ في المنطقة.

فالزيارة التي جرت يومي الأول والثاني من سبتمبر 2026، بالتزامن مع مرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، انتهت بتوقيع أكثر من عشرين اتفاقية ووثيقة تعاون شملت الصناعة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والتمويل والطاقة المتجددة والنقل والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.ولا تكمن أهمية هذه الاتفاقيات في عددها، وإنما في الرؤية التي تقف خلفها فالصين لم تعد تنظر إلى مصر باعتبارها سوق لمنتجاتها فحسب، بل مركزاً إقليمياً للصناعة والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، وبوابة تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وهنا يبرز السؤال: أين موقع السودان من هذه الخريطة؟
الاتفاقيات المصرية–الصينية ليست مكسباً تلقائياً للسودان، ولا خطراً محتوماً وإنما فرصة يمكن تحويلها إلى مكسب استراتيجي، وقد تصبح تحدياً اقتصادياً قاسياً إذا ظل السودان متفرجاً ينتظر ما تقرره العواصم ثم يكتفي بالتعليق عليه.
لقد بدأت الدولة السودانية تتعافى تدريجياً بعد أن استعادت القوات المسلحة الخرطوم ومناطق واسعة من وسط البلاد، وبدأ المواطنون والمؤسسات في العودة الطوعية الي ديارهم رغم الدمار الذي لحق بالكهرباء والمياه والمصانع والطرق والخدمات. لكن هذا التعافي ما يزال في بدايته، فالخرطوم تستعيد أنفاسها، لكنها تحتاج إلى استثمارات ضخمة لاستعادة قدرتها الاقتصاديةوالإدارية.

وفي الوقت نفسه، لا زالت تستمر المعارك في دارفور وكردفان، وتواصل القوات المسلحة عملياتها لاستعادتها بالكامل بإذن الله . لكن الثابت أن الدولة انتقلت من مرحلة الدفاع عن وجودها إلى استرداد الأرض وإعادة بناء المؤسسات.ومن هنا تكتسب زيارة الرئيس الصيني إلى مصر أهميتها بالنسبة للسودان؛ فمرحلة ما بعد الحرب لن تحتاج إلى خطب رنانة بل إلى توفير الكهرباء والطرق والسكك الحديدية والمصانع والاتصالات والمياه والمستشفيات والتمويل والتكنولوجيا. والصين تملك المال والخبرة والشركات، بينما تملك مصر القرب الجغرافي والبنية اللوجستية والعلاقة السياسية المباشرة مع السودان.
وفي مجال الزراعة، يمكن بناء تعاون ثلاثي يقوم على معادلة واضحة السودان يملك الأراضي الخصبة والمياه والثروة الحيوانية ومحاصيل السمسم والقطن والفول السوداني والصمغ العربي، ومصر تملك الأسواق والموانئ والخبرات الصناعية وشبكات النقل، بينما تمتلك الصين التمويل والآلات والتكنولوجيا والأسواق الضخمة.

وتتيح هذه المعادلة إنشاء مشروعات زراعية وصناعات غذائية ومسالخ حديثة ومصانع للزيوت والأعلاف والجلود والنسيج، بدلاً من تصدير موارد السودان خام ثم استيرادها بعد تصنيعها بأضعاف أسعارها..
وفي الاتصالات والتحول الرقمي، تتيح الشراكة المصرية–الصينية فرصة لإعادة بناء أبراج الاتصالات وشبكات الألياف الضوئية ومراكز البيانات وأنظمة الحكومة الإلكترونية والدفع الرقمي، وربط السودان بمصر وشبكات البحر الأحمر، والاستفادة من الخبرات الصينية في الأقمار الصناعية الزراعة الذكية والأمن السيبراني.

أما اتفاقية قناة السويس، التي جذبت استثمارات صينية تُقدر بنحو أربعة مليارات دولار، فيمكن أن تصبح بوابة للمنتجات السودانية إلى الصين وأوروبا، ومركزاً لتوفير معدات إعادة الإعمار. كما يمكن إنشاء خط يربط ميناء بورتسودان بالموانئ المصرية، ويفتح ممراً تجارياً بين وادي النيل والبحر الأحمر وآسيا.
إن تقدم مصر ليس مشكلة للسودان؛ فهي دولة شقيقة ومن حقها البحث عن مصالح شعبها وجذب الاستثمارات إلى أراضيها. المشكلة الحقيقية أن يتأخر السودان عن تحديد مصالحه، حتى تُقام المصانع وتُرسم طرق التجارة ثم يكتشف أن الخريطة الجديدة قد مرت بجواره.

لقد وقفت مصر منذ بداية الحرب إلى جانب وحدة السودان وبقاء مؤسساته الوطنية، واستقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين، وحافظت على تعاملها مع مؤسسات الدولة الرسمية. وفهم السودانيون هذا الموقف باعتباره سنداً للدولة وقواتها المسلحة في مواجهة خطر التفكيك والانهيار.،.كما جدد البيان المصري–الصيني التأكيد على احترام وحدة السودان وسيادته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، ورفض التدخل في شؤونه الداخلية، والعمل على وقف الحرب وهو موقف مهم يرفض تقسيم السودان أو فرض الحلول عليه من الخارج

وعلى السودان خصوصا بعد انهيار الجنيه السوداني عليه الانتقال سريعاً إلى صناعة المصالح، بتشكيل آلية اقتصادية عليا تدرس الاتفاقيات المصرية–الصينية، وتحدد المجالات التي يمكن للسودان الدخول فيها، ثم تتوجه إلى القاهرة وبكين بمشروعات مكتملة الدراسات فالصين تتعامل بجدية مع الدول التي تعرف ماذا تريد وتحمل دراسات واضحة وتفاوض على مصالحها بثبات.
الاتفاقيات بين بكين والقاهرة يمكن أن تكون رافعة اقتصادية كبرى للسودان، إذا دخل السودان شريكاً في الصناعة والزراعة والنقل والتكنولوجيا. لكنها ستكون ذات أثر سلبي إذا اكتفى بدور السوق المفتوح ومصدر المواد الخام والممر الصامت لبضائع الآخرين.

الخلاصة أن الجغرافيا منحت السودان موقعاً لا يمكن تجاوزه، والموارد منحته أوراقاً لا تملكها دول كثيرة، وموقف مصر الداعم يوفر له جسراً سياسياً واقتصادياً وأمني مهماً نحو الصين. لكن الجغرافيا والموارد والصداقة لا تكفي إذا غابت الرؤية والإرادة وسرعة القرار.
قطار الشراكة الصينية–المصرية انطلق بالفعل، وليس المطلوب من السودان أن يقف أمامه أو ينافس مصر، بل أن يحجز مقعده داخله، ويحوّل العلاقة بين الدول الثلاث إلى مثلث للإعمار والإنتاج والأمن الغذائي…فالمشكلة ليست أن مصر تتقدم… المشكلة أن يتأخر السودان.والدول التي لا ترسم موقعها في خرائط المصالح الجديدة، تستيقظ ذات صباح لتجد أن الخريطة قد لفظتها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى