شريف الريس يتكتب: نحن من نصنع التاريخ

من قلب وادي النيل، حيث خطّ الإنسان أولى حروف الحضارة، ولدت مصر لتكون فجر الضمير الإنساني ومنارة التاريخ. على مدار سبعة آلاف عام، لم تكن مصر مجرد دولة تمر العصور بساحتها، بل كانت الصانع الأول والمصدر الرئيسي للأمجاد والعلوم والفنون والسياسة إلى العالم أجمع.

عندما كان العالم يتخبط في غياهب الزمن، كانت الأهرامات تطاول السماء، وكانت القوانين المصرية تنظم حياة البشر، والطب والفلك يضعان أسس المعرفة الإنسانية. لذلك، فإن أمة بهذا العمق الضارب في جذور الزمن لا تحتاج إلى مباراة كرة قدم، ولا إلى تسعين دقيقة في مستطيل أخضر، لكي يتعرف عليها العالم أو يعترف بمكانتها؛ فاسم مصر محفور في جينات الوعي الإنساني قبل أن تُخترع الرياضات الحديثة بقرون.

ومع ذلك، فإن ما حدث في مباراة الأرجنتين لم يكن مجرد مواجهة رياضية عابرة، بل تحول إلى مشهد كاشف وفضيحة تحكيمية أو تنظيمية تعكس كيف يمكن للمصالح أو الأخطاء الفادحة أن تحاول عرقلة مسيرة المجتهد. لكن في عمق هذه “الفضيحة” يكمن سر الإرادة المصرية؛ فمصر لم تنظر يومًا إلى الانكسارات كأقدار حتمية، بل كحجر زاوية لبناء تفوق جديد. إن ما جرى كان بمثابة شرارة أشعلت روح التحدي، ليتحول هذا الظلم إلى وقود يصنع إنجازًا استثنائيًا، لا يخص مصر وحدها، بل يمثل منارة أمل “للعالم الفقير” والمهمش، ذلك العالم الذي يمتلك العزيمة ولكنه يفتقر إلى الإمكانيات، وينتظر بشغف لحظة ينتصر فيها صاحب الحق والمجتهد على الكسول والمتكئ على نفوذه أو تاريخه القريب.

إن الرسالة التي قدمتها مصر للعالم من خلال تحويل هذه الأزمة إلى ملحمة تفوق، هي رسالة كونية تؤكد أن العزيمة الصلبة قادرة على قهر الظروف غير العادلة. لقد انتظر الملايين حول الأرض رؤية هذا التجسيد الحي للعدالة، حيث يثبت الإنسان أن العمل الدؤوب والعرق في الميدان هما الفيصل الحقيقي، وليس المحاباة أو الأسماء الرنانة. عندما تحول الانكسار والظلم إلى انتصار ساحق، لم تكن مصر تدافع عن مجرد فوز في مباراة، بل كانت تدافع عن كرامة كل مجتهد عانى من التهميش، وعن حق الشعوب الطامحة في أن تجد مكانًا تحت الشمس بفضل جهدها وعطائها.

هذا الإنجاز يثبت مجددًا أن الحضارة ليست مجرد ماضٍ يُحكى في الكتب، بل هي سلوك يومي وثقافة مواجهة تتوارثها الأجيال. إن مصر التي صدرت التاريخ للعالم قديمًا، لا تزال تصدر له اليوم دروسًا في الكبرياء والتحدي. لم تكن بحاجة للمباراة لكي تُعرف، بل كانت المباراة بحاجة إلى مصر لكي تكتسب قيمتها، ولكي يرى العالم كيف يُصنع العدل من رحم المعاناة، وكيف ينهض الفراعنة من وسط الركام ليؤكدوا أن السيادة تظل دائمًا لمن يزرع الأرض عرقًا وجهدًا، وأن التاريخ سيظل يكتبه دائمًا من يصنعونه بأيديهم، لا من ينتظرون هدايا الحظ أو انحيازات العابرين.

فنحن من نصنع التاريخ يامسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى