هالة شيحة تكتب: “نحلة الأمل”.. نهى محمد إبراهيم ..أيقونة المرأة السودانية في رحلة العودة والإعمار
في تاريخ الشعوب، تظل هناك شخصيات لا تصنعها الألقاب ولا المناصب، وإنما تصنعها المواقف والعمل الصامت والإيمان العميق بالوطن. ومن بين هذه النماذج تبرز الأستاذة نهى محمد إبراهيم، نائب رئيس لجنة النقل بمبادرة العودة الطوعية المجانية “لجنة الأمل”، التي تحولت إلى نموذج ملهم للمرأة السودانية، حتى استحقت عن جدارة لقب “نحلة الأمل”؛ ذلك اللقب الذي أطلقته عليها تقديرًا لجهدها المتواصل وعطائها الذي لا يعرف التوقف.

فمنذ انطلاق مبادرة العودة الطوعية للسودانيين من مصر إلى وطنهم، لم تكن نهى مجرد مسؤولة تشرف على ترتيبات النقل، بل كانت حاضرة في الميدان، تتابع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، تطمئن على الأسر، وتيسر الإجراءات، وتقف إلى جانب كبار السن والأطفال، ولا تغادر موقع العمل إلا بعد انطلاق آخر حافلة أو قطار. لذلك لم يكن غريبًا أن تصبح في نظر كل من يعمل معها “النحلة التي لا تكل ولا تمل”.
لكن ما يميز نهى محمد إبراهيم لا يقتصر على نشاطها الميداني، وإنما يمتد إلى رؤيتها العميقة لدور المرأة السودانية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد. فهي تؤمن بأن العودة الطوعية ليست مجرد انتقال جغرافي من دولة إلى أخرى، بل مشروع وطني متكامل لإعادة بناء السودان، يبدأ بعودة الإنسان وينتهي بإعمار الأرض.
وخلال وداع قطار الإعلاميين والمبدعين والمثقفين المتجه إلى السودان، أكدت نهى أن المرأة السودانية ستكون أحد أهم أعمدة المرحلة المقبلة، مشيرة إلى أن دورها لا يقتصر على العودة إلى الوطن، وإنما يمتد للمشاركة في المبادرات المجتمعية، وتأهيل الأحياء، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، والإسهام في جهود التنمية والإعمار.
وتنطلق هذه الرؤية من إيمانها بأن المرأة السودانية أثبتت، عبر سنوات الحرب والنزوح، قدرتها الاستثنائية على الصبر وتحمل المسؤولية وإدارة الموارد المحدودة، وحماية الأسرة والمحافظة على تماسك المجتمع في أصعب الظروف. وهي خبرات ترى أنها يجب أن تتحول اليوم إلى قوة دافعة لبناء المستقبل.
ولعل نهى لا تتحدث عن تمكين المرأة باعتباره شعارًا يرفع في المناسبات، بل تمارسه واقعًا يوميًا في الميدان. فهي تقود فريقًا، وتتخذ القرار، وتتحمل المسؤولية، وتؤكد من خلال تجربتها أن المرأة السودانية قادرة على القيادة والإنجاز والمشاركة في صناعة التحول الوطني.
إن نجاح مبادرة العودة الطوعية، في نظرها، لن يُقاس بعدد الحافلات أو القطارات التي تعبر الحدود، وإنما بقدرة العائدين على استعادة حياتهم، وبمدى نجاح المجتمع في إعادة بناء ما دمرته الحرب. وهنا تحديدًا تبرز أهمية المرأة، باعتبارها الحاضنة الأولى للأسرة، وصاحبة الدور الأكبر في ترميم العلاقات الاجتماعية، ونشر ثقافة التعاون والعمل والإنتاج.
ولا تبدو صورة “نحلة الأمل” مجرد لقب جميل، بل تعبيرًا صادقًا عن امرأة اختارت أن تجعل من وقتها وجهدها خدمة للناس، ومن كل رحلة عودة رسالة أمل، ومن كل عائد خطوة جديدة نحو وطن يستعيد أبناءه.
إن الحديث عن نهى محمد إبراهيم ليس احتفاءً بشخصها فقط، بل هو احتفاء بآلاف النساء السودانيات اللاتي حملن الوطن في قلوبهن أينما ذهبن، وظللن يؤمنّ بأن السودان قادر على النهوض من جديد. فهن شريكات في صناعة المستقبل، وعنوان للصبر والعطاء، وركيزة أساسية في مشروع إعادة الإعمار.
ولهذا، فإن “نحلة الأمل” ليست مجرد لقب لنهى محمد إبراهيم، بل رمز لروح المرأة السودانية التي تعمل بصمت، وتمنح بلا انتظار للمقابل، وتؤمن بأن الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها وبناتها معًا. وفي زمن يحتاج فيه السودان إلى كل يد مخلصة، تظل هذه النماذج الإنسانية مصدر إلهام ورسالة تؤكد أن طريق العودة لا ينتهي عند الحدود، وإنما يبدأ منها نحو وطن يستحق الحياة.



