مني النمر تكتب: صوموا تصحوا …

مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تستعد القلوب قبل الأجساد لصيام الشهر الفضيل ، و تتردد كلمة الصيام على الألسنة، فنربطها تلقائيا بالامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب …
هكذا تعودنا، وهكذا تربينا على فهم الصيام بوصفه جوعا وعطشا مؤقتين، ينتهيان مع أذان المغرب .
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، وأوسع من إطار الجسد وحده .

الصيام، في جوهره، ليس تدريبا على تحمل الجوع، بل تربية على الامتناع …
امتناع عن كل ما يُفسد الإنسان من داخله قبل أن يُرهق جسده من خارجه . هو عبادة تهذب النفس قبل أن تُرهق المعدة، وتصلح الداخل قبل أن تغير العادات الظاهرة .

ولعل القرآن الكريم يلفت نظرنا إلى هذا المعنى بوضوح حين يربط الصيام أحياناً بالامتناع عن أشياء غير الطعام والشراب .
ففي قصة نبي الله زكريا عليه السلام، حين بشره الله بالذرية، كانت الآية التي أُعطيها ليست علامة مادية، بل معنوية:
﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.

كان هذا صياما عن الكلام، امتناعا مؤقتا عن شيء مباح في الأصل، لكنه أصبح عبادة حين ارتبط بالطاعة واليقين …
من هنا نفهم أن الصيام مفهوم أشمل وأعمق …

هو القدرة على كبح ما نملك فعله، لا لأننا عاجزون عنه، بل لأننا اخترنا الارتقاء فوقه …
فكما نصوم عن الطعام، يمكننا أن نصوم عن الكذب، عن الغش، عن النميمة، عن الأذى، عن القسوة في القول، وعن الظلم في الفعل .

وهذا النوع من الصيام هو الأصعب، لأنه لا يُقاس بالوقت، ولا يُكسر بأذان، ولا يراه الناس ، فهو بينك و بين ربك …
الامتناع عن الكذب صيام، لأن الكذب يُفسد القلوب قبل أن يُضل العقول .
والامتناع عن الغش صيام، لأن الغش يهدم الثقة بين البشر ، و يدمر معنى العدل .
والامتناع عن النميمة صيام، لأن الكلمة قد تجرح أكثر مما تجرح الأفعال …

والامتناع عن أذى الآخرين، ماديا كان أو معنويا، هو أرقى مراتب الصيام، لأنه صيام يحمي المجتمع قبل أن يُصلح الفرد …
وهنا تتجلى حكمة العبارة التي تتردد منذ زمن …
“صوموا تصحوا” …
لكن الصحة هنا لا تقتصر على الجسد فقط، بل تمتد إلى النفس والعلاقات والحياة كلها …
فكم من جسد سليم تسكنه نفس متعبة، وكم من إنسان يأكل ويشرب، لكنه منهك من الداخل، مثقل بالضغينة، مشوه بالعلاقات السامة، مُتعب بروح لم تتدرب يوما على الامتناع …
الصيام الحقيقي هو أن تتدرب على ترك ما يؤذيك ويؤذي غيرك، لا في رمضان فقط، بل طوال العام …
أجعل من هذا الشهر تذكرة، لا موسما أو وقت مؤقتا …

تعلم كيف تمسك لسانك كما تمسك عن الطعام، وكيف تراجع أفعالك كما تراجع ساعات صيامك …
رمضان يأتي ليقول لنا إن الامتناع قوة، وإن السيطرة على النفس عبادة، وإن تهذيب السلوك هو الطريق الأصدق للصلاح …
فمن صام عن الأذى، صح قلبه، ومن صام عن الشر، صحت علاقاته، ومن صام عن الظلم، صح مجتمعه …
صوموا عن كل أذى، تصحوا …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى