محمد مطر يكتب: الدين على الشاشة المصرية.. من صلاة الفجر إلى لحية وجلباب في قفص الاتهام
اتخذ الكاتب الدين كمادة للحكاية قبل أن يكون موضوعها، ومن يريد أن يحكي عن المصريين لا يستطيع أن يتجاوز الدين، فهو في بيوتهم قبل أن يكون في خطبهم ومواعظهم على منبرهم.
في فيلم «العزيمة» تظهر صلاة الفجر في مفتتح الفيلم، لأن المخرج رأى أن الحارة المصرية لا تُصوَّر صادقةً دون ذلك المشهد الحقيقي الواقعي وأن حياة المصريين في ذلك الوقت تبدأ من صلاة الفجر.
والكاتب حين يضع شيخاً أو متديناً في حكايته يظهره كما يلي في وجهة نظري المتواضعة التي تقبل الخطأ كما تقبل الصواب:
إما ضميرٌ يوقظ البطل، أو سلطةٌ يتحدى بها البطل، أو قناعٌ يختبئ خلفه الشرير، أو إنسانٌ يتألم ويتردد، وسنعرض لكل ذلك فيما يلي.
ومن فهم هذه الوظائف الأربع فقد فهم كيف تحوّلت صورة الدين ورجاله على الشاشة المصرية، وكيف وصل الناس إلى ما وصلوا إليه من فكرة أن الشاشة تحارب الدين والمتدينين.
زمن الضمير: الشيخ الذي يوقظ المجرم ويقف في وجه الطغيان
في فيلم «جعلوني مجرماً» يجد الخارج على القانون في المسجد لحظة رحمة ومساحة أمان، ويأتي الإمام الذي يمثل الدين فيقنعه بلطف بأن يسلّم نفسه، فلا يعظه من علٍ بل يقترب منه.
ثم في «شيء من الخوف» يقود الشيخ إبراهيم مقاومة أهل القرية لعتريس، وتهتف القرية بأن زواجه من فؤادة باطل، ويدفع الشيخ ثمن موقفه البطولي في الوقوف ضد الظلم والطغيان والتجبر، فيفقد ابنه.
وفي هذين العملين لا يظهر الشيخ كرجل عابر بل يعبر عن الدين وأنه يقف حيث يجب أن يقف.
زمن النفاق: الشيخ الذي يُفتي بما تشتهيه السلطة
تغير الزمن قليلًا وتغيرت معه الصورة النمطية المتخيلة في أعين المصريين عن قدسية الشيخ ورجل الدين، وبدأت في فيلم «الزوجة الثانية» حيث تأتي الشاشة بصورة شيخ يُفتي بصحة زواج العمدة من امرأة أُجبر زوجها على طلاقها، فيكسو الظلم ثوب الحلال، وهنا يصير الشيخ سلطةً تُستعمل في مواجهة البطل. وهو مشهد قاسٍ على الشيخ لكنه نافع للدين، وقد يسأل القارئ كيف؟ فأقول لأنه كشف أن لكل ثوب مدّعين، وأن الفتوى المفصّلة على قياس القوي أشد ضرراً على الدين من خصومه، وقد جاء هذا الفيلم سنة 1967، قبل «شيء من الخوف» بسنتين، فكأن السينما كانت تقول في وقت واحد: هذا شيخ وهذا شيخ، فانظروا إلى من يخدم كل منهما.
زمن المال: الحاج الذي يبيع البركة
مع الثمانينيات دخل المال على الحكاية، ففي «كراكون في الشارع» يظهر الحاج ناجي مقاولاً ينصب على الناس ويتحدث بلغة الدين، فيصير الدين قناعاً، وكان ذلك صدىً لما شهده الشارع من شركات توظيف الأموال التي خدعت الناس بشعارات التقوى، وهنا أصاب الفيلم لأنه التقط وجعاً حقيقياً، غير أن هذا القالب، حين انتقل إلى أعمال أخرى، ترك أثراً أبعد من حدود الواقعة الواحدة، فصارت صفة الحاج والمظهر الورع تُستدعى حين يريد الكاتب أن يوحي بأن وراء الورع طمعاً.
زمن الدم: المتشدد الذي يصير إرهابياً
دخل العنف إلى الشارع المصري في التسعينيات، فنقلته الشاشة في فيلم «الإرهاب والكباب» حيث يتحول موظف بسيط إلى إرهابي بالمصادفة، والفيلم أصلًا يسخر من البيروقراطية والغلاء أكثر مما يسخر من أي متدين، وفي «الإرهابي» يتبنى البطل فكر الجماعة ثم يبتعد عنه ويموت على أيديهم في النهاية.
وفي «طيور الظلام» يقف محاميان صديقان على طرفين، أحدهما وصولي يشق طريقه إلى السياسة وآخر يمثل جماعة تتخذ الدين وسيلة للمكسب السياسي، فتكشف الحكاية كيف يتقاطع الفكر المتطرف مع الوصولية، فلا يعود التدين عندهم إيماناً بل ورقة.
وفي «المصير» يعود يوسف شاهين إلى الأندلس ليحكي عن ابن رشد وكتبه التي تُحرق بضغط المتعصبين، فيجعل المعركة بين العقل والتعصب، لا بين الإسلام وخصومه.
والإنصاف يقتضي أن نقول إن بعض هذه الأعمال كانت جريئة وصادقة في وجه عنف حقيقي سقط فيه أبرياء، لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن نقول إن بعضها سقط في المباشرة، فجعل اللحية والجلباب والعباءة البيضاء إشارةً لا تحتاج إلى تفسير، وجعل المشاهد يتعلم أن يقرأ العلامة قبل الإنسان، وهذا خطأ يقع فيه العامة وهم معذورون في فهمهم، لأنهم قلّما رأوا الشاشة تجسد المتدين العادي الذي يذهب لعمله ويصلي صلاته ويرعى بيته ولا يؤذي أحدًا كأي إنسان طبيعي.
زمن الأسباب: حين سُئل لماذا
في فيلم «عمارة يعقوبيان» نقلة أخرى في الفهم، لأنها لم تكتفِ بإظهار المتشدد بل سألت كيف صار إلى ما صار إليه، حيث طه الشاذلي ابن البواب الذي يحلم بكلية الشرطة فيُرفض بسبب مهنة أبيه، ثم يُهان ويُعذَّب، فيجد في الجماعة الكرامة التي سُلبت منه، وينتهي برصاصة بعد أن يحمل السلاح.
وهذا شاب متدين صادق في بدايته، والفيلم يجعل المتفرج يتألم لضياعه ولا يكتفي بإدانته، وفي الفيلم نفسه الحاج عزام الغني الذي يصلي ويتكلم بلغة الورع وهو يشتري الذمم ويستغل ضعف النساء ويشتري مقعده البرلماني.
فالفيلم يعرض وجهين للتدين على الشاشة نفسها، الأول ضحية، والثاني قناع، ويترك المشاهد يفرّق ويحكم بنفسه وهذه أمثلة حية من واقع الحياة تشاهدها أنت وأنا وغيرنا.
حين أرادت السينما أن تظهر الشيخ كإنسان فقط
تغيرت نظرة السينما للشيخ حيث أتاحت له أن يكون إنساناً، ففي «الشيخ جاكسون» إمام يحب مايكل جاكسون وتهتز طمأنينته حين يموت معبوده، وتتداخل ذكريات الطفولة مع علاقته بأبيه، ولا يُقدَّم متزمتاً ولا منافقاً، بل رجلاً يصلي ويسأل ويتألم.
وفي «مولانا» داعية تلفزيوني يقع بين ضميره وبين رجال السلطة والمال الذين يريدونه أن يُفتي بما يناسبهم، فتصير الحيرة نفسها هي البطولة الحقيقية، ولا يُختزل الشيخ في صورة جاهزة.
كيف وصل الناس إلى القول بأن السينما تحارب الدين؟
الجواب في التراكم قبل النية…
حين يتكرر الحاج النصاب والشيخ المنافق والملتحي القاتل على مدى عقود دون أن يقف إلى جانبهم الشيخ الصادق العادي والمتدين البسيط الذي لا يؤذي أحداً، يتكون عند كثير من المتفرجين إحساس بأن المرآة كأنها موجهة لتشويه رجل الدين، وهم لا يرون «الزوجة الثانية» و«طيور الظلام» عملين ضد الفاسدين، بل يرون في المجموع صورة تقول إن من يلتزم يجب أن يُشك فيه وفي نواياه، وهذا تعميم لا يصح ويجب التنبيه عليه وإظهاره.
وفي الوقت نفسه لا بد من الاعتراف بأن الصورة ليست حكراً على الإسلام، ففي فيلم «بحب السيما» يظهر أب مسيحي متشدد يضيّق على ابنه وتتناقض أقواله مع أفعاله، وقد اعترض على الفيلم كثيرون من أبناء الكنيسة اعتراضاً مشابهاً.
فالمتزمت قالبٌ درامي قديم يُستعار في كل دين، لأن الكاتب يحتاج إلى سلطة أخلاقية داخل البيت تضغط على البطل، فيستعير أقرب وجه يعرفه. وهذا لا يعفي من النقد، لكنه يصحح الفهم: القالب جاء من حاجة الحكاية، ثم صار بالتكرار ثقيلاً على من يشبهه.
وأخيرًا وليس آخرًا
لا أدافع عن السينما أو عن الكاتب، بل هي محاولة للحياد أنطق بها في وزن الأمور بمنظار المتأمل غير المتخصص. فقد قالت السينما في «شيء من الخوف» إن كلمة الحق هي آخر ما يملكه المظلوم وأظهرت رجل الدين يقف حيث يجب أن يقف، وقالت في «يعقوبيان» إن الضياع هو من يصنع المتشددين فعليكم بمعالجة الواقع الصعب، وقالت في «مولانا» إن الشيخ إنسان يُضغط عليه من السلطة أيًا كان نوعها.
لكنها قالت في أعمال أخرى، بحكم الاختزال لا بالضرورة بحكم العداء، إن اللحية والجلباب علامة يُعتمد عليها في الإشارة إلى الشر، ومن هنا شعر كثير من المتدينين بأن الشاشة تقف في الجهة المقابلة منهم. والفرق بين الجملتين هو ما يستحق أن نقف عنده: لا نطلب من الفن أن يمدح، بل أن يرى الإنسان بكامله، الصادق مع الكاذب، والملتحي الذي يبكي في صلاته مع الملتحي الذي يبيع، لأن الصورة الكاملة هي وحدها التي تُنصف الجميع.



