د. محمد عباس يكتب : لجنة الأمل للعودة الطوعية تجربة وطنية ومسؤولية مشتركة
رئيس لجنة الاتصال والعلاقات الخارجية
لأول مرة في تجربتي العملية أشارك في عمل شعبي قومي بهذا الحجم تتلاقى فيه جهود قطاعات من الحكومة والمجتمع والشعب السوداني حول هدف إنساني ووطني يتمثل في مساعدة السودانيين على العودة الطوعية إلى وطنهم.
لقد اعتدت طوال حياتي على العمل المجتمعي في محيطي وخدمة أهلي وجيراني وكل من أستطيع الوصول إليه انطلاقاً من إيماني بقيمة التكافل والتعاون بين أبناء الشعب السوداني وعندما التحقت بلجنة الأمل منذ تأسيسها كنت مدفوعاً بالرغبة في توسيع دائرة هذا العطاء، والمساهمة في عمل يصل أثره إلى أكبر عدد ممكن من أبناء شعبنا الذين فرضت عليهم الحرب ظروفاً قاسية في دول الجوار.
لقد رأيت جانباً من معاناة السودانيين عن قرب وشعرت بأن هذه الظروف تستحق منا جميعاً بذل الجهد والعمل بروح المسؤولية كلٌّ بحسب استطاعته وخبرته.
منذ البداية كنت مدركاً أن إدارة مبادرة قومية بهذا الحجم لن تكون خالية من التحديات سواء في الجوانب التنظيمية والإدارية أو في تنسيق الجهود وتوحيد الرؤى وبحكم خبرتي في الإدارة التنفيذية سعيت مع زملائي إلى الإسهام في تنظيم العمل وتطوير آلياته بما يساعد اللجنة على تحقيق أهدافها.
وأود التأكيد أن العمل المشترك بطبيعته يتطلب قدراً من المرونة والتفاهم وأن اختلاف وجهات النظر داخل أي مؤسسة أمر طبيعي ويمكن أن يكون عاملاً إيجابياً متى أُدير بروح من الاحترام والرغبة الصادقة في الوصول إلى الأفضل.
حول النقاش الدائر بشأن لجنة الأمل
أتابع بإهتمام ما يُطرح من آراء وملاحظات حول تجربة لجنة الأمل وأتفهم أن مبادرة بهذا الحجم ستجد من يؤيدها ومن يتحفظ على بعض جوانبها ومن يرى ضرورة تطوير أساليب عملها.
وأعتقد أن هذا التنوع في المواقف يستحق التعامل معه بهدوء وانفتاح فليس من الضروري أن نتفق جميعاً في تقييم التجربة لكن من المهم أن يظل الحوار قائماً على الاحترام المتبادل وأن يكون هدفه الوصول إلى ما يخدم المواطن السوداني.
كما أن الاعتراف بالتحديات والعثرات متى ظهرت لا ينتقص من قيمة العمل بل يساعد على تحسينه فلا توجد تجربة بشرية مكتملة ولا مؤسسة تستطيع تحقيق أهدافها دون مراجعة وتقييم مستمرين.
ومن هذا المنطلق أرى أن النقد الموضوعي والملاحظات الجادة فرصٌ ينبغي الاستفادة منها وأن من واجبنا الاستماع إلى مختلف الآراء والتعامل معها بمسؤولية والتمييز بين ما يساعد على التطوير وما لا يقدم حلولاً عملية.
العودة الطوعية مسؤولية تتجاوز أي لجنة
إن قضية عودة السودانيين إلى وطنهم أكبر من لجنة الأمل وأوسع من أي مبادرة أو كيان بعينه إنها قضية وطنية وإنسانية تتطلب تضافر جهود الجميع وتستدعي مراعاة الظروف المختلفة للأسر السودانية وضمان أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة وفقاً للإمكانات والظروف المتاحة.
ومن هنا فإن أي مبادرة أخرى تسهم في خدمة هذا الهدف تستحق النظر والتقدير كما أن تطوير المبادرات القائمة وتبادل الخبرات بينها يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للعمل المشترك.
لسنا في منافسة مع أحد ولا نرى أن خدمة السودانيين ينبغي أن تكون حكراً على جهة دون أخرى فكل جهد مخلص يخفف معاناة الناس ويساعدهم على اتخاذ قراراتهم بشأن مستقبلهم يستحق الاحترام.
لجنة الأمل مسؤولية مشتركة
منذ تأسيس اللجنة كنا حريصين على أن يكون للإعلاميين والمجتمع حضور فاعل إيماناً بأهمية المشاركة المجتمعية ودور الإعلام في التوعية ونقل المعلومات ومتابعة القضايا العامة.
وأؤمن بأن اللجنة ينبغي أن تظل منفتحة على المجتمع وأن يكون تقييم تجربتها وتطوير أدائها مسؤولية يشارك فيها كل من يملك رأياً أو خبرة أو مقترحاً يمكن أن يسهم في تحسين العمل.
فالمبادرات الوطنية لا تتقدم بالجهود الفردية وحدها بل بالتعاون وتكامل الأدوار والاستعداد لمراجعة التجربة كلما دعت الحاجة.
من الخرطوم يبقى الأمل
أكتب إليكم اليوم من الخرطوم حيث أرى بأم عيني مظاهر العودة وجهود الأسر والمواطنين في استعادة حياتهم والمساهمة في إعادة البناء والإعمار.
ومع ذلك فإننا ندرك أن الطريق لا يزال طويلاً وأن الظروف تختلف من منطقة إلى أخرى وأن أمام السودان تحديات كبيرة تتطلب الصبر والعمل والتعاون.
إن ما نشهده من عودة الكثير من الأسر ومحاولات استعادة الحياة الطبيعية يمنحنا الأمل لكنه يذكرنا أيضاً بأهمية مواصلة الجهود والتعامل بواقعية مع التحديات ووضع احتياجات المواطنين وسلامتهم في مقدمة الأولويات.
كلمة أخيرة
لقد انضممت إلى لجنة الأمل عن قناعة بأهمية رسالتها وما زلت أرى أن خدمة السودانيين واجب وطني وإنساني يستحق أن نبذل من أجله ما نستطيع.
وفي الوقت نفسه أؤمن بأن نجاح أي تجربة لا يتحقق بمجرد النوايا الحسنة وإنما بالعمل الجاد والتقييم المستمر، والاستفادة من الملاحظات والقدرة على تطوير الأداء.
لذلك فإن رسالتي إلى الجميع هي أن نختلف دون خصومة وأن ننتقد دون تجريح وأن نساند كل جهد جاد دون أن نتخلى عن حقنا في التقييم والمساءلة.
فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى التكاتف وتبادل الخبرات وتقديم المصلحة العامة وإلى أن نرى في اختلافنا فرصة للتكامل لا سبباً للانقسام.
ستظل لجنة الأمل تجربة من تجارب العمل الوطني لها ما لها وعليها ما عليها ويظل الحكم عليها مرتبطاً بما تقدمه من خدمة حقيقية للمواطنين وبمدى قدرتها على التعلم والتطور والاستجابة للاحتياجات الفعلية للناس.
نسأل الله أن يحفظ السودان وشعبه وأن يخفف معاناة أهلنا في الداخل والخارج وأن يهيئ لكل من يرغب في العودة طريقاً آمناً وكريماً وأن يوفق الجميع لما فيه خير الوطن.
السودان يجمعنا وخدمة شعبه مسؤولية نتشارك فيها جميعاً.



