إشتيوي الجدي يكتب: أسئلة الماضي من أجل إنقاذ المستقبل.. لماذا سقط النظام وانهارت الدولة في ليبيا؟

لم يكن سقوط النظام الليبي عام 2011 مجرد نهاية لحكم استمر أكثر من أربعة عقود، بل كان بداية مرحلة من انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، وتعدد مراكز النفوذ، وانقسام السلطة، وتراجع السيادة الوطنية. وبعد خمسة عشر عامًا من الصراع والاضطراب، لا يزال السؤال الأهم مطروحًا بإلحاح: كيف سقط النظام، ولماذا عجزت الدولة عن الصمود بعد سقوطه؟.
إن العودة إلى هذه الأسئلة ليست اجترارًا للماضي، ولا محاولة لتبرئة طرف وإدانة آخر، بل ضرورة وطنية لفهم ما جرى، وتحديد مسؤوليات الداخل والخارج، واستخلاص الدروس التي تحول دون تكرار المأساة. فالتدخل العسكري الغربي كان عاملًا حاسمًا في إسقاط النظام وتغيير مسار الأحداث، لكنه لم ينشأ في فراغ؛ إذ تزامن مع أضطرابات اقليمية واختلالات داخلية وفّرت بيئة قابلة للتصعيد والاستغلال.
إن فهم المأساة الليبية يقتضي تجاوز التمجيد الأعمى والإدانة الانتقائية، والنظر إلى التجربة بكل ما حملته من إنجازات وإخفاقات، بعيدًا عن تحويل التاريخ إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالأوطان لا تستعيد عافيتها بإنكار أخطائها، ولا بتجاهل ما تعرضت له من تدخلات خارجية، وإنما بمواجهة الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة.
أولًا: لماذا استهدفت القوى الغربية النظام الليبي؟
منذ وصول العقيد معمر القذافي إلى السلطة عام 1969، اتخذت ليبيا سياسات اصطدمت بمصالح قوى غربية نافذة. فقد أُجلِيت القواعد العسكرية الأجنبية، وأُعيد تنظيم قطاع النفط، وأُمِّمت أصول ومصالح اقتصادية، وتبنّت القيادة الليبية خطابًا مناهضًا للهيمنة الأجنبية، مع دعم قضايا عربية وإفريقية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
كما أسهمت الصدامات السياسية والأمنية مع عدد من الدول الغربية في تعميق الخصومة مع النظام الليبي، وهو ما يجعل البحث في دوافع التدخل العسكري الغربي عام 2011، وعلاقته بالمصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، أمرًا مشروعًا لا يجوز إغفاله.
غير أن اختزال ما حدث في مؤامرة خارجية وحدها لا يقدم تفسيرًا كاملًا للمأساة. فالتدخل الأجنبي استغل نشوب أزمة داخلية، واستفاد من الانقسامات والاختلالات القائمة لتغيير موازين القوى وفرض واقع جديد بالقوة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف عجزت دولة تمتلك ثروة نفطية كبيرة وإمكانات بشرية ومادية معتبرة عن حماية قرارها الوطني من تدخل خارجي انتهى بإسقاط نظامها وفتح الباب أمام انهيار مؤسساتها؟.
ثانيًا: كيف تحولت الأزمة الداخلية إلى بوابة للتدخل الخارجي؟
امتلكت ليبيا ثروة نفطية مكّنتها من تمويل التعليم والصحة والإسكان والخدمات العامة، وشهدت في عهد القذافي تحولات اجتماعية واقتصادية ومشروعات تنموية متعددة. غير أن هذه المكاسب لم تمنع وجود اختلالات في الإدارة والحوكمة، ومحدودية المشاركة السياسية، وضعف آليات المحاسبة، فضلًا عن شعور بعض المواطنين بالتهميش والإقصاء.
وعندما تضيق مساحات التعبير السياسي، وتغيب القنوات المستقلة للحوار والمساءلة، تصبح الأزمات أكثر قابلية للتصعيد، ويغدو استيعاب الغضب الشعبي أكثر صعوبة. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول المطالب المشروعة إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع أجندات القوى الخارجية.
ولا يجوز وضع جميع المشاركين في احتجاجات فبراير 2011 في سلة واحدة؛ فقد تحرك بعضهم بدوافع اجتماعية وسياسية، وانطلق آخرون من اعتبارات جهوية أو قبلية أو شخصية، بينما اختارت أطراف الاستعانة بقوى أجنبية، وانخرطت في مسار تجاوزت نتائجه حدود المطالب التي رُفعت في بدايته.
ومن الضروري هنا التمييز بين حق المواطنين في المطالبة بالإصلاح، وبين الاستقواء بالخارج وتحويل التدخل العسكري الخارجي إلى وسيلة لحسم الصراع الداخلي. فليس كل معارض عميلًا، كما أن معارضة النظام لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة إذا أسهم في تقويض استقلال بلاده أو تدمير مؤسساتها.
ثالثًا: أين كانت أجهزة الدولة؟ ولماذا عجزت عن حماية البلاد؟
تكشف أحداث عام 2011 عن أسئلة جوهرية بشأن أداء المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية. هل أخفقت في تقدير حجم المخاطر؟ وهل وصلت التحذيرات إلى أصحاب القرار؟ أم أن الانقسامات الداخلية، وضعف التنسيق، والاعتماد على الولاءات الشخصية، أضعفت قدرة الدولة على مواجهة الأزمة؟.
إن الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة تتطلب تحقيقًا تاريخيًا ومؤسسيًا جادًا، بعيدًا عن الاستنتاجات المتسرعة. لكن النتيجة الواضحة أن مؤسسات الدولة لم تكن متماسكة بما يكفي لاحتواء الأزمة، وحماية البلاد من الانزلاق إلى مواجهة واسعة انتهت بتدخل عسكري دولي همجي غيّر موازين القوى بصورة حاسمة.
فحماية الوطن لا تتحقق بتكديس الأسلحة، ولا بكثرة الأجهزة، ولا بالإنفاق المالي وحده، وإنما ببناء مؤسسات محترفة، وعقيدة دفاعية واضحة، واستخبارات فعالة، وتنسيق بين الجيش والأمن والشرطة والقضاء، وخطط استراتيجية تستوعب المخاطر الداخلية والخارجية.
والأهم أن تقوم هذه المؤسسات على القانون والكفاءة والانتماء الوطني، لا على الولاء الشخصي وحده.
لقد كشفت التجربة عن حقيقة مؤلمة: قد يكون مركز القيادة محصنًا، بينما تبقى الدولة نفسها مكشوفة أمام الأخطار. وعندما ترتبط استمرارية المؤسسات ببقاء القيادة السياسية، يصبح سقوط القيادة تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة بأكملها.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نتجنب مواجهته: هل حظيت حماية النظام بأولوية على بناء دولة قادرة على حماية نفسها وشعبها، حتى في غياب من يتولى قيادتها؟.
رابعًا: هل اختُزل أمن ليبيا في أمن النظام؟
ارتبطت صناعة القرار في ليبيا، على مدى عقود، بشخصية العقيد معمر القذافي وموقعه المركزي في إدارة الدولة. وقد أتاح تركيز القرار حسم بعض المواقف بسرعة، لكنه أضعف استقلال المؤسسات وآليات المحاسبة، ولم يؤسس قواعد مستقرة لتداول السلطة أو انتقالها.
والدولة القوية ليست التي تحمي قائدها فحسب، بل التي تحمي شعبها وحدودها ومؤسساتها، وتواصل أداء وظائفها مهما تغيرت القيادة أو سقط النظام.
لقد أظهر انهيار عام 2011 خطورة الخلط بين الدولة والسلطة؛ فالدولة كيان وطني مستمر، أما السلطة فبنية سياسية قابلة للتغيير. وإذا غابت المؤسسات الدستورية والقانونية القادرة على استيعاب الخلافات وإدارة انتقال الحكم، فقد يتحول الصراع على السلطة إلى صراع يهدد وجود الدولة ذاتها.
ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن سيادة ليبيا لا يبدأ بتحصين موقع القيادة، بل ببناء دولة مؤسسات لا يحتكرها فرد، ولا تستطيع قوة أجنبية تفكيكها بسهولة.
خامسًا: لماذا تعذّر احتواء الصدام بين النظام وأجزاء من بعض ابناء الشعب الليبي؟
كان من الممكن أن تتخذ الأزمة مسارًا أقل عنفًا لو توفرت قنوات موثوقة للحوار، وجرت معالجة المطالب السياسية والاجتماعية بمرونة وحكمة قبل اتساع المواجهات. لكن التصعيد تسارع، وتداخل الصراع الداخلي مع التدخل العسكري الخارجي الهمجي، وتراجعت فرص التسوية كلما اتسعت دائرة العنف وتآكلت الثقة.
ولا يكفي أن نسأل لماذا حمل بعض ابناء الليبيين السلاح؛ بل ينبغي أن نسأل أيضًا لماذا عجزت القيادة عن استيعاب خطورة اللحظة، واحتواء الغضب، والتمييز بين المطالب التي يمكن تلبيتها والمخاطر التي تهدد وحدة البلاد.
هل كانت هناك استعدادات حقيقية لإصلاح سياسي عميق؟ وهل أُتيحت مساحة كافية للمراجعة والمصالحة وتقديم التنازلات الضرورية؟ أم أن الثقة المفرطة في قدرة النظام على السيطرة حالت دون إدراك حجم الأزمة؟
إن السلطة التي لا تسمع إلا ما يرضيها، وتحيط نفسها بمن يزينون لها قراراتها، تفقد تدريجيًا قدرتها على رؤية مواطن الضعف. وعندما يصبح نقل الحقيقة خطرًا على صاحبها، تتحول دوائر المشورة من مصدر للحماية إلى أحد أسباب الإخفاق.
وهذه من أقسى دروس التجربة الليبية: تجاهل الأخطاء لا يلغيها، وتأجيل الإصلاح لا يمنع الانفجار، بل قد يجعل ثمنه أفدح. كما أن غياب الحوار في اللحظات الحرجة يترك المجال مفتوحًا أمام التصعيد، ويمنح الأطراف الأكثر تشددًا فرصة لفرض خياراتها على حساب الوطن.
سادسًا: لماذا لم تصمد التحالفات الإقليمية والدولية؟
كشفت الأزمة عن هشاشة جانب من العلاقات الإقليمية والدولية التي أقامتها ليبيا خلال عقود. فقد تداخلت في مواقف الدول المصالح الاستراتيجية، والخلافات السياسية والشخصية، والتنافس الإقليمي، والحسابات المتعلقة بمستقبل النظام الليبي.
والإنصاف يقتضي عدم افتراض أن جميع القادة الذين عارضوا العقيد القذافي تحركوا بدافع واحد، أو أن العلاقات السابقة لم تكن سوى خداع متعمد. فالعلاقات الدولية لا تقوم على العواطف وحدها، وإنما تحكمها المصالح والتحالفات وموازين القوة.
ومع ذلك، تظل التجربة الليبية درسًا واضحًا في حدود التعويل على التحالفات الشخصية. فالصداقة السياسية قد تتبدل، والتحالفات قد تنهار، والمصالح قد تتقدم على الوعود عندما تتغير الظروف.
ولذلك لا يمكن ضمان استقلال الدولة بالاعتماد على العلاقات الشخصية بين القادة، أو انتظار مواقف الحلفاء عند اشتداد الأزمات. إن ما يحمي الدولة حقًا هو قوة مؤسساتها، وتماسك جبهتها الداخلية، ووضوح مصالحها الوطنية، وقدرتها على التعامل مع مختلف الاحتمالات من دون التفريط في استقلال قرارها.
سابعًا: هل كان العقيد معمر القذافي مصيبًا في كل شيء أم مخطئًا في كل شيء؟
يقتضي الإنصاف رفض صورتين متناقضتين: إحداهما تحمّل القذافي مسؤولية كل ما جرى، وتتجاهل أثر التدخل العسكري الخارجي، والأخرى تبرئه من الأخطاء، وتفسر جميع مشكلات ليبيا باعتبارها نتاج مؤامرة لا علاقة للداخل بها.
شهدت ليبيا في عهده تحولات اجتماعية واقتصادية، وتوسعت خدمات التعليم والصحة، ونُفذت مشروعات تنموية، وبرز حضور البلاد في محيطها العربي والإفريقي والدولي. وهذه جوانب لا يصح إنكارها لمجرد الاختلاف السياسي مع النظام.
وفي المقابل، ظلت أسئلة جوهرية مطروحة بشأن المشاركة السياسية، وتداول السلطة، والمحاسبة، وقدرة النظام على تصحيح أخطائه والاستعداد لمرحلة ما بعد القيادة.
فالإنجازات لا تمحو الأخطاء، كما أن الأخطاء لا تجعل كل إنجاز وهمًا. والتقييم الموضوعي لأي تجربة حكم ينبغي أن يستند إلى ما حققته من تنمية، وما وفرته من حقوق وفرص للمواطنين، ومدى قوة مؤسساتها واستقلالها وقدرتها على الاستمرار.
لقد ارتبط خطاب القذافي السياسي بمفاهيم الاستقلال والسيادة ورفض الهيمنة الأجنبية، لكن هذه التوجهات لم تتحول إلى منظومة مؤسسية تضمن استمرارية الدولة وتحميها من الانهيار بعد غيابه.
وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح القيادة في الدفاع عن استقلال القرار الوطني، لكنها تخفق في بناء المؤسسات القادرة على صون ذلك الاستقلال من بعدها.
ثامنًا: هل أسهمت أخطاء القذافي ومحيطه في إسقاط النظام؟
لم يكن سقوط النظام الليبي نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين الاحتجاجات والمطالب الداخلية، وأخطاء إدارة الأزمة، وضعف المشاركة والمحاسبة، والانقسامات داخل بنية النظام، والانشقاقات في صفوف مسؤوليه، والتدخل العسكري الدولي الهمجي الذي استمر نحو ثمانية أشهر وغيّر موازين القوى بصورة حاسمة.
وانتهت تلك المرحلة باستشهاد القائد الليبي العقيد العتيد العنيد معمر القذافي في محيط سرت يوم 20 أكتوبر 2011، في خضم معركة رتل العز الأخيرة، بعد تعرض الموكب لهجوم جوي لحلف شمال الأطلسي، وفق ما أوردته التقارير عن أحداث ذلك اليوم. وقد مثّل استشهاده النهاية الفعلية للنظام، لكنه لم يكن بداية لاستقرار الدولة؛ إذ دخلت ليبيا مرحلة جديدة من الصراع على السلطة والسلاح والنفوذ.
ولا يمكن تفسير ما حدث بمجرد القول إن المحيطين بالقذافي تخلوا عنه أو خانوه، كما لا يصح تحميل نظامه كامل المسؤولية مع تجاهل التدخل العسكري الدولي وضغوطات حكومات الدول الغربية التي أسهمت في تأجيج مسار الأحداث، علاوة على الأطراف الداخلية.
إن البحث عن الحقيقة يتطلب فحص قرارات القيادة، وأداء المؤسسات، ومواقف المسؤولين الذين انشقوا أو غيّروا ولاءاتهم، ودور القوى الخارجية، وكيف تفاعلت هذه العوامل مجتمعة حتى انتهى الأمر بسقوط النظام.
أما تحويل القضية إلى معركة مفتوحة بين أنصار الماضي وخصومه، فلن يعيد الدولة، ولن يوقف نزيف الخسائر، ولن يمنح الأجيال الجديدة إجابات كافية عن مستقبلها.
فالمعيار الحقيقي ليس عدد الاتهامات التي نوجهها إلى الآخرين، بل قدرتنا على تحديد المسؤوليات بدقة، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار الكارثة.
تاسعًا: هل استشرف المفكر القذافي مصير الدولة في كتاباته؟
قد تدفع عناوين بعض أعمال القذافي الأدبية، مثل «الفرار إلى جهنم» و«تحيا دولة الحقراء»، إلى محاولة الربط بين مضامينها والمصير الذي انتهت إليه تجربته السياسية. لكن هذا الربط يظل مجالًا للتأمل، ولا يكفي دليلًا على أنه تنبأ بما سيحدث لدولته.
ومع ذلك، تبرز مفارقة تستحق التفكير: قد يدرك القائد تناقضات المجتمع وعيوب السلطة، ويعبّر عنها في كتاباته وخطاباته، لكنه يعجز عن معالجتها حين يصبح جزءًا من منظومة لا تسمح بالنقد الحقيقي أو المراجعة الجادة.
فمعرفة الخلل لا تعني القدرة على إصلاحه، وتشخيص الأزمة لا يكفي لتجاوزها. إن الإصلاح يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وفتح المجال أمام النقد، والاستماع إلى الأصوات المخالفة، وبناء مؤسسات قادرة على تصحيح المسار، حتى عندما تتعارض الحقيقة مع رغبات أصحاب السلطة.
والعبرة الأهم أن مصير الأوطان لا ينبغي أن يظل معلقًا بقدرة قائد على استشراف الأزمات أو تجنبها، بل يجب أن تحميها مؤسسات راسخة تستطيع اكتشاف الأخطاء ومعالجتها قبل أن تتحول إلى كوارث وطنية.
الخلاصة: ليبيا أكبر من الأشخاص والأنظمة
إن ما حدث في ليبيا عام 2011 لا ينبغي أن يتحول إلى معركة أبدية بين تمجيد الماضي ورفضه، ولا إلى ذريعة للانتقام أو تخوين المختلفين. فالتاريخ لا يُفهم بالشعارات، والمآسي الوطنية لا تُفسَّر بتوزيع الاتهامات بصورة انتقائية.
كان للتدخل العسكري الخارجي الهمجي دور حاسم في إسقاط النظام وتغيير مسار الدولة، لكنه تزامن مع أزمة داخلية وانقسامات استطاع استغلالها. وحقق النظام السابق إنجازات ومشروعات، لكنه أخفق في بناء ضمانات سياسية ومؤسسية كافية لتجاوز أزماته وضمان استمرارية الدولة بعد غياب قيادته. كما أن بعض الأطراف الليبية اختارت الاستقواء بالخارج، لكن ذلك لا يبرر اختزال شعب بأكمله في تهمة العمالة أو الخيانة، ولا يعفي أي طرف من مسؤولية قراراته وأفعاله.
إن استعادة الحقيقة لا تعني توزيع المسؤولية بالتساوي على الجميع، بل تحديد مسؤولية كل طرف وفق دوره وما ارتكبه من أفعال. فلا يجوز مساواة من طالب بالإصلاح بمن أسهم في تمكين التدخل العسكري الأجنبي، كما لا يجوز إعفاء السلطة من مسؤولية أخطائها بحجة أن خصومها ارتكبوا أخطاء أخرى.
لقد خسر الليبيون كثيرًا حين تحولت الخلافات السياسية إلى صراع مسلح، وحين تقدّم هدف إسقاط النظام على التفكير الجاد في مصير الدولة بعد سقوطه، وحين عُلّقت آمال الخلاص على القوة الخارجية من دون تقدير كافٍ لعواقبها على استقلال البلاد ووحدتها.
والخطأ الذي لا ينبغي تكراره هو الاعتقاد بأن إزالة الخصم السياسي تكفي لبناء وطن أفضل، أو أن الاستقواء بالخارج يمكن أن يحقق خلاصًا وطنيًا بلا أثمان، أو أن امتلاك الثروة والسلاح يغني عن بناء مؤسسات قوية وشرعية وطنية جامعة.
إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحروب الكلامية حول الماضي، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بالإنجازات والإخفاقات، وتكشف مسؤوليات الداخل والخارج، وتضع مصلحة الوطن فوق الولاءات الشخصية والقبلية والجهوية والحزبية.
إنها تحتاج إلى دولة قانون ومؤسسات، وعدالة في إدارة الثروة، ومشاركة سياسية حقيقية، وقضاء مستقل، وجيش وطني وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وعلاقات خارجية تحفظ المصالح الوطنية ولا ترهن القرار الليبي لإرادة الآخرين.
فهل نملك شجاعة التعلم من الماضي، أم سنظل أسرى خلافاته؟ وهل نمتلك إرادة الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، أم سنواصل البحث عن طرف واحد نحمله كل المسؤولية لنعفي أنفسنا من واجب المراجعة؟
إن التاريخ لا يرحم من يرفض التعلم من دروسه، والأوطان لا تُنقذ بالحنين وحده، ولا بالشعارات، بل بإرادة وطنية واعية تحوّل دروس الألم إلى مشروع لبناء المستقبل.
ليبيا أكبر من أي ملك أو قائد أو رئيس، وأبقى من أي نظام، وأغلى من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو أداة في صراعات الآخرين. ومهما اختلف الليبيون حول الماضي، فإن مسؤوليتهم المشتركة اليوم هي ألا يسمحوا بأن يصبح مستقبل أبنائهم رهينة للأخطاء ذاتها.
رحم الله القائد العتيد العنيد معمر القذافي وجميع من قضوا ضحايا الأزمة الليبية، وحفظ ليبيا وشعبها من الفتن والانقسام. ولتكن ذكرى ما جرى مناسبة للاعتبار والمراجعة، لا لتجديد الكراهية والانقسام؛ فالأوطان لا تستعيد عافيتها بالانتقام من ماضيها، بل بمصالحة وطنية عادلة، ودولة قوية، وإرادة صادقة تجعل مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار.



