أمل أبوالقاسم تكتب: حينما مشت الحرب على أجساد النساء ومرت مرور الكرام

حملت وكالات الأخبار اليوم خبراً محزناً ومؤسفاً للغاية: قتل سيدة سودانية أطفالها مستخدمة سم الفئران، ثم محاولتها الانتحار للحاق بهم، في مشهد يجسد ويختزل آلاف المعاني، كما يختزل حال كثير من الأسر التي لا ينتبه لها أحد.

 

كلنا يعلم أن الحرب جرت على أجساد النساء، وأذاقتهن المليشيا كافة صنوف التعذيب والإذلال الجسدي والنفسي، كنوع من عقاب الدولة والجهات التي تقاتل في الميدان.

لذلك فإن أغلب إفرازات الحرب وتداعياتها تنصب عليهن، وما زلن يعانين من آثارها، ومن بينهن أمهات شهدن مقتل أولادهن أو أزواجهن، واغتصاب بناتهن، وحتى أولادهن أمام ناظريهن. فكم سيدة يا ترى تعاني اضطراباً نفسياً؟ وكم منهن ضاق بهن الحال، لا سيما بعد فقد الممتلكات والسند؟

 

قصة هذه السيدة، التي تحقق السلطات المصرية في قضيتها بعد إسعافها في الرمق الأخير، تستدعي الوقوف عندها، رغم عدم معرفة دوافع الجريمة، التي ربما لا تخرج عن عدة احتمالات؛ كعدم قدرتها على تربية أطفالها لأي من الأسباب، أو لسبب يخصها ولم تشأ أن تترك صغارها خلفها يتجرعون الأسى حيث لا عائل ولا نصير، أو ربما لمعاقبة والدهم كما يحدث في حالات كثيرة، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً نسبة لمحاولتها الانتحار. عموماً، كل الاحتمالات واردة، بما فيها الاضطراب النفسي، وكل ذلك مرده للحرب وتداعياتها.

 

قصة أخرى أبرزها الإعلام المصري والإعلامية سما عزمي عن سيدة تدعى سماح، حالها وأولادها يغني عن السؤال. السيدة قالت إنها تتعالج من مرض نفسي، وأبرزت كيساً ممتلئاً بالأدوية. أما شقتها التي رصدتها الكاميرا، فليست أقل بؤساً من حالها، إذ لا تصلح البتة للسكن الآدمي. وبعيداً عن كونها خالية من الأثاث سوى قطع متناثرة هنا وهناك ومرتبة بالية أو اثنتين تلتحفها مع صغارها، فإن جدران الشقة نفسها قابلة لأن تعشش فيها الحشرات. والنماذج المشابهة لحالة سماح كثيرة، لكنها لم تصلها الكاميرات.

 

بالله عليكم، من لهؤلاء بوجعٍ ونصير؟ صحيح أن جهات مجتمعية تعمل على جبر ضرر وكسر هؤلاء ولو بحد معقول، مثل جمعية إسناد السودانيين في مصر، فضلاً عن العديد من صفحات الفيسبوك والناشطين والإعلاميين الذين يتصدون لكثير من الحالات عبر طرحها ثم جمع التبرعات حسب الحاجة.

 

ونشكر للإعلام المصري مشاركته في إبراز هذه المعاناة والمساهمة في تفقد هؤلاء ومدّهم بما يستطيع، حتى وإن كان قليلاً، فيكفي تضامنهم. وقد شاهدت الكثير من هذه المواقف. وكذا الشكر للإعلام المحلي الذي ينشط بعضه في محاولة مساندة المتعبين، كما فعلت الزميلة العزيزة عزيزة عوض الكريم، وبذلها جهداً كبيراً في الوصول لشقة سماح وفرش بعضها بما تيسر لها من تبرعات. هذا هو السودان وأهله الذين لم تزدهم المحن إلا إصراراً وقوة وتكاتفاً في أحلك الظروف.

 

ولكن الضغط على الكثير من الأسر والسيدات كبير إلى الحد الذي دفع بعضهن إلى الارتهان للبغاء من أجل المال، فيما استغل ضعاف النفوس حالة هؤلاء، سواء كانوا أجانب في بلد اللجوء أو من أبناء جلدتهم. وما تكاثر ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم في الشوارع إلا نتاج لذلك، وهي كلها عوامل متشابكة تفضي إلى ضياع المرأة.

 

وصحيح أن الحكومة أو السلطات تسعى لمداواة ذلك عبر طرق شتى، منها العلاج بالتطبيب أو إقامة فعاليات وبرامج لتجديد نفسياتهن، لكن بالمقابل فإن فراغ البطون أشد فتكاً، ويقود إلى ما لا تُحمد عقباه، مما يفضي إلى تفكك المجتمع والأسر.

 

ومن باب “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، لماذا لا تتفقد السفارات والقنصليات رعاياها في كل الدول، لا سيما مصر وليبيا، وحال البعض فيها يوجع الضمير الإنساني؟ ثم لماذا لا تضاعف الحكومة جهدها في هذا الأمر؟ ومن المفارقات أن ميسورين يتمتعون بحوافز وهبات الحكومة، وأن كثيرين على مختلف الصعد تنفعوا من الحرب حد التخمة. فالعدل مطلوب أيها السادة المسؤولون، والإنصاف يجب أن يوزع بالتساوي، وأهل الحاجة أمانة في أعناقكم تُسألون عنها يوم الحساب الأعظم.

 

على سبيل المثال، عندما انتحرت البلوجر المصرية “بسنت سليمان” قامت الدنيا ولم تقعد، وتدخل الرئيس السيسي وطالب البرلمان بتعديل قانون الأحوال الشخصية. وعندما عُثر في مصر على طفل حديث الولادة، ورصدته الكاميرات، تولت السلطات الأمر حتى وصلت إلى والدته السودانية التي ألقته بهذه البساطة، وحاكمتها بأقسى عقوبة، بينما عندنا يمر الخبر مرور الكرام على السلطات الأمنية والوزارات المعنية، مما يشجع على تكرار الفعل الذي أصبح في حكم العادي.

 

لكِ الله يا بلادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى