عاطف طلب يكتب : قبلة على قدم السلطة… حين تنحني الكرامة تحت أنقاض البيوت
صورة واحدة كانت كفيلة بأن تهز الضمير، وتفضح وجعًا صامتًا يتكرر كل يوم دون أن يلتفت إليه أحد. في المنيا، لم تكن الواقعة مجرد لقطة عابرة، بل كانت مشهدًا مكثفًا لكل ما يعتصر هذا الوطن من ألم؛ سيدة مسنّة تنحني، لا تعبّد طريقًا للسلطة، بل تحاول أن تنتزع رحمة غائبة، قبل أن يُسحق بيتها تحت الجرافات.
ما حدث ليس مجرد تصرف فردي لسيدة أنهكها الخوف، بل هو انعكاس لحالة أعمق؛ حالة يشعر فيها المواطن أن القانون يُنفذ عليه، لا لأجله، وأن الدولة التي يفترض أن تحميه، قد تقف يومًا على الطرف الآخر من معاناته.
بيت يُهدم… ربما بقرار إداري.
لكن ماذا عن الأرواح التي سكنت هذا البيت؟
ماذا عن العمر الذي أُهدر بين جدرانه؟
وماذا عن الكرامة التي انحنت، لا حبًا ولا احترامًا، بل قهرًا وانكسارًا؟
الصورة لم تُظهر مسؤولة فقط، بل أظهرت فجوة مخيفة بين السلطة والناس. فجوة تجعل مواطنة عجوزًا ترى في تقبيل القدم وسيلة أخيرة للنجاة، وكأنها لم تعد تملك حقًا أصيلًا، بل تستجديه استجداءً.
الأخطر من المشهد، هو ما وراءه:
صمت رسمي بارد، لا يسمع صرخة، ولا يرى دمعة، ولا يقدّر أن الكرامة الإنسانية ليست رفاهية، بل أساس أي دولة تحترم نفسها.
إن تطبيق القانون لا يعني تجريد الناس من إنسانيتهم. والتنظيم لا يعني الهدم الأعمى. والدولة القوية ليست التي تفرض قراراتها بقسوة، بل التي توازن بين الحزم والرحمة، بين النظام والعدالة، بين السلطة والضمير.
هذه القبلة لم تكن ضعفًا… بل كانت اتهامًا.
اتهامًا لوضعٍ وصل فيه المواطن إلى حافة اليأس، فلم يجد إلا أن ينحني كي يُسمع صوته.
الأوطان لا تُبنى بالجرافات وحدها…
ولا تُدار بالأوامر فقط…
بل تُبنى حين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأنه ليس مضطرًا يومًا أن ينحني… ليحيا.



