وائل الريس يكتب: الفتنة الكلبية
لم تعد قضية الكلاب في الشوارع المصرية مجرد ملف يتعلق بالحيوانات أو النظافة العامة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى حالة من الجدل المجتمعي الحاد، يمكن وصفها بـ”الفتنة الكلبية”. انقسام واضح بين فريق يرى في الكلاب كائنات تستحق الرحمة والحماية والرعاية، وفريق آخر يعتبر انتشارها العشوائي خطرًا مباشرًا على الأمن والصحة العامة وحياة المواطنين.
هذا الانقسام لم يعد مقتصرًا على الأحياء الشعبية أو المناطق الريفية، بل امتد إلى الكومبوندات الراقية، والجامعات، والنوادي، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة يومية للصدام بين ما يمكن تسميتهم بـ”الكلبجية” والمدافعين عن الحيوانات، وبين المتضررين من انتشار الكلاب الضالة.
في البداية يجب علينا اولا ان نعرف كيف بدأت الظاهرة؟

حيث شهدت مصر خلال العقد الأخير زيادة ملحوظة في أعداد الكلاب الضالة داخل المدن نتيجة عدة عوامل:
التوسع العمراني غير المنظم.
انتشار القمامة ومصادر الطعام المكشوفة.
غياب برامج فعالة للسيطرة على التكاثر.
تزايد ثقافة اقتناء الكلاب بين الشباب والطبقات المختلفة.
تخلي بعض المربين عن كلابهم بعد العجز عن رعايتها.
ومع الوقت، بدأت الكلاب تتحول من مجرد مشهد مألوف إلى عنصر مؤثر في الحياة اليومية، خاصة مع تسجيل حوادث عقر متكررة، وظهور مخاوف من مرض السعار، ووقوع حالات وفاة في بعض الدول بسبب هجمات الكلاب الشرسة أو الضالة. ولم يعد الخطر مجرد “احتمالات”، بل تحول إلى أرقام صادمة؛ فوفقاً لتقارير وزارة الصحة والسكان، سجلت مصر مئات الآلاف من حالات العقر سنوياً خلال العامين الأخيرين (2024-2025). هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصاءات، بل تُرجمت إلى حوادث دموية هزت الرأي العام وأعادت صياغة القوانين.
• نقطة التحول (فبراير 2024): شهدت هذه الفترة ذروة الجدل القانوني بعد وفاة مواطن في منطقة الشيخ زايد إثر هجوم كلب “بيتبول” مملوك لمذيعة شهيرة. الحادثة كانت مفصلية لأنها أثبتت أن الخطر لا يقتصر على الكلاب الضالة، بل يمتد إلى “هوس” اقتناء الفصائل الشرسة دون تدريب أو رقابة.
• ذعر الضواحي الراقية: خلال صيف 2024، تكررت حوادث عقر الأطفال داخل “الكومبوندات” المغلقة في التجمع الخامس والسادس من أكتوبر، مما خلق حالة من الاستقطاب بين الجيران وصلت إلى حد تقديم بلاغات جنائية متبادلة.
ثم كانت حادث الرجل المسن في محافظة بورسعيدر جل مسن كان يسير في أحد شوارع حي المناخ ببورسعيد، وفوجئ بهجوم مباغت وعنيف من مجموعة من الكلاب الضالة (وليس كلباً واحداً)، حيث تمكنت الكلاب من إسقاطه أرضاً لعدم قدرته الجسدية على المقاومة أو الركض. تعرض المسن لعقر شديد وجروح قطعية نافذة في مناطق متفرقة من جسده، ركزت في الأطراف (الذراعين والساقين)، فضلاً عن إصابته بصدمة عصبية ونفسية حادة جراء الرعب الذي عاشه أثناء الهجوم.: أنقذت العناية الإلهية وتدخل المارة في الشارع الرجل من الموت المحقق، حيث قاموا بتفرقة الكلاب عنه، ونُقل على الفور بواسطة سيارة الإسعاف إلى مستشفى بورسعيد العام (السلام بورسعيد) لتلقي المصل الإسعافي وعلاج الجروح الغائرة.
• هجمات القرى: في أوائل عام 2025، سجلت محافظات الدلتا (خاصة المنوفية والشرقية) هجمات جماعية من كلاب ضالة على تلاميذ المدارس في ساعات الصباح الباكر، مما أدى لإصابات بالغة استدعت تدخلات جراحية عاجلة.
ثانيًا: الانقسام المجتمعي الحاد
1- فريق المدافعين عن الكلاب
يرى هذا الفريق أن الكلاب ليست السبب الحقيقي، بل الضحية الأساسية للإهمال الإنساني. ويستندون إلى عدة نقاط:
الكلاب كائنات وفية وغير مؤذية بطبيعتها إذا عوملت جيدًا.
قتل الكلاب أو تسميمها فعل غير إنساني.
الحل يكمن في التعقيم والتطعيم وليس الإبادة.
كثير من الدول نجحت في التعايش مع الحيوانات دون عنف.
كما يعتبر البعض أن الرحمة بالحيوان مقياس للتحضر والرقي الأخلاقي.
2- فريق المتضررين والمعارضين
أما الفريق الآخر فيرى أن الخطاب العاطفي تجاه الكلاب يتجاهل معاناة الناس اليومية، خاصة:
خوف الأطفال والنساء وكبار السن من السير ليلًا.
مطاردات الكلاب للمارة والدراجات.
انتشار العقر والإصابات.
الضوضاء والتلوث.
الرعب النفسي لدى المصابين بفوبيا الكلاب.
ويعتبر هؤلاء أن سلامة الإنسان يجب أن تكون الأولوية المطلقة، وأن أي حديث عن حقوق الحيوان لا ينبغي أن يأتي على حساب أمن المواطنين.
3 ـ الصراع لقانوني الجديد: مع صدور اللائحة التنفيذية لـ قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب في عام 2024، انتقل الصراع من “الجدل” إلى “التنفيذ”. فالقانون الذي حظر 16 فصيلة من الكلاب واشترط قيوداً صارمة للاقتناء، رآه المتضررون “طوق نجاة”، بينما اعتبره بعض المدافعين عن الحيوان “تضييقاً” قد يدفع البعض للتخلص من كلابهم في الشوارع خوفاً من العقوبات، مما يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
حين يعقر الكلب.. من يدفع الثمن؟
اذ لم يعد القانون المصري يقف موقف المتفرج أمام حوادث العقر، بل وضع المربي أمام مسؤولية جنائية مباشرة. وأبرز ما جاء في التشريع الجديد (2024):
1. عقوبة العقر غير المفضي للموت:
o إذا تسبب الكلب في إصابة شخص بجروح أو عجز بسيط نتيجة إهمال المربي، يعاقب صاحب الكلب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تصل إلى 50 ألف جنيه.
2. حالات العاهة المستديمة أو الوفاة:
o إذا أدى العقر إلى “عاهة مستديمة”، تغلظ العقوبة لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات.
o أما في حالة الوفاة، فقد تصل العقوبة إلى السجن المشدد لمدة لا تقل عن 5 سنوات وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه، خاصة إذا وقع الحادث نتيجة مخالفة ضوابط حيازة الكلاب الخطرة.
3. اقتناء الفصائل المحظورة:
o حدد القانون 16 فصيلة “خطرة” (مثل البيتبول، الروت وايلر، والدوبرمان)، وحظر امتلاكها للأفراد العاديين إلا في حالات استثنائية وبترخيص خاص جداً. ضبط أي من هذه الكلاب غير المرخصة يؤدي إلى مصادرة الحيوان فوراً وفرض غرامات تبدأ من 10 آلاف جنيه وتصل إلى مئات الآلاف.
4. ضوابط السير في الأماكن العامة:
o يلزم القانون أي مربٍ بوضع “الكمامة” ( muzzle) و “المقود” (leash) المتين عند الخروج بالكلب، ومخالفة ذلك تعرض صاحب الحيوان للغرامة والحبس في حال تعريض حياة المارة للخطر، حتى لو لم يقع عقر فعلي.
ثالثًا: لماذا تحولت القضية إلى “فتنة”؟
المشكلة لم تعد في وجود الكلاب فقط، بل في طريقة إدارة الحوار المجتمعي حولها.
فقد ظهرت عدة مظاهر خطيرة:
تخوين الطرف الآخر.
تصوير محبي الكلاب كأنهم ضد البشر.
اتهام المتضررين بالقسوة والوحشية.
حملات تنمر إلكتروني متبادلة.
استخدام الدين والأخلاق بصورة انتقائية.
تضخيم الحوادث عبر السوشيال ميديا.
مسؤولية الدولة: بين مطرقة “الطب البيطري” وسندان “الميزانيات”
لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على “الكلاب” أو “المربين”؛ فالدولة طرف أصيل في هذه الأزمة. المسؤولية هنا قانونية وإدارية تتوزع بين عدة جهات:
1. الهيئة العامة للخدمات البيطرية (وزارة الزراعة): المسؤول الأول عن مكافحة السعار وبرامج التعقيم (TNR). ومع ذلك، تعاني هذه الجهة من ضعف التمويل اللازم لتوفير الأمصال وتغطية كافة المحافظات، مما يجعل تدخلاتها “رد فعل” على الحوادث بدلاً من كونها “استباقية”.
2. وزارة التنمية المحلية (المحليات): هنا تكمن أزمة “إدارة النفايات”. الكلاب الضالة تتواجد حيث توجد القمامة. فشل منظومة جمع القمامة في العديد من الأحياء يحول الشوارع إلى “مكبات” توفر بيئة خصبة لتكاثر الكلاب وزيادة شراستها دفاعاً عن مصادر غذائها.
3. وزارة الداخلية: دورها يبرز في تنفيذ “قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة” الصادر في 2023. المسؤولية هنا تكمن في الرقابة على الأسواق العشوائية التي تبيع سلالات محظورة (مثل البيتبول) وتطبيق العقوبات على المربين المستهترين في الشوارع والحدائق العامة.
4. الحق في “الشارع الآمن”: من الناحية القانونية، الدولة ملتزمة بتوفير بيئة آمنة للمواطن. وقوع حوادث عقر متكررة في منطقة معينة يفتح الباب أمام تساؤلات حول “التقصير الإداري”، حيث يمكن للمتضررين قانوناً مقاضاة الجهات التنفيذية إذا ثبت تقاعسها عن التعامل مع بلاغات سابقة بوجود كلاب عدوانية.
من منظور استقصائي، يجب توضيح أن الدولة غالباً ما تلجأ لحلول مؤقتة (الحملات):
• علمياً: القتل الجماعي يخلق “فراغاً بيولوجياً” تملؤه كلاب أخرى من مناطق مجاورة، مما يجعل المشكلة دائرية.
• حقوقياً: يضع الدولة في صدام مع المنظمات الدولية والمحلية، مما يؤثر على صورتها الحضارية.
لذا فإن مسؤولية الدولة ليست في إبادة الكلاب، بل في إدارتها؛ من خلال تشريعات صارمة، منظومة نفايات حديثة، ودعم حقيقي لمراكز التعقيم والايواء، بدلاً من ترك المواطن والحيوان في صراع بقاء يومي.”
رابعًا: كيف تعاملت دول العالم مع الظاهرة؟
1- تركيا: التعايش المنظم
تُعد تركيا من أشهر الدول التي تتبنى نموذج التعايش مع الكلاب الضالة، خاصة في إسطنبول.
ما الذي فعلته؟
تعقيم الكلاب لمنع التكاثر.
تطعيمها ضد السعار.
تركيب علامات تعريف إلكترونية.
إنشاء ملاجئ ومراكز رعاية.
فرض غرامات على من يتخلى عن حيوانه.
النتيجة:
انخفضت نسب التكاثر بشكل تدريجي، لكن التجربة واجهت انتقادات بعد وقوع بعض الهجمات، ما أعاد الجدل بقوة داخل المجتمع التركي.
2- هولندا: القضاء شبه الكامل على الكلاب الضالة
نجحت هولندا في الوصول إلى واحدة من أنجح التجارب عالميًا.
كيف؟
تسجيل إلزامي لكل كلب.
ضرائب مرتفعة على التربية العشوائية.
حملات تبني واسعة.
تعقيم مجاني.
قوانين صارمة ضد التخلي عن الحيوانات.
النتيجة:
أصبحت الكلاب الضالة نادرة جدًا دون اللجوء إلى القتل الجماعي.
3- الهند: أزمة مستمرة
في الهند، ما زالت الأزمة قائمة رغم برامج التعقيم، بسبب:
الكثافة السكانية الضخمة.
ضعف التمويل.
الانتشار العشوائي للقمامة.
بطء برامج السيطرة.
وقد شهدت بعض المدن الهندية هجمات قاتلة أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا.
4- بعض الدول العربية: الحل الأمني السريع
في عدد من الدول العربية، تم اللجوء لفترات طويلة إلى:
التسميم.
الإعدام الجماعي.
الحملات المفاجئة.
لكن هذه الحلول تعرضت لانتقادات حقوقية، كما أنها غالبًا لا تحقق نتائج طويلة المدى بسبب عودة التكاثر مرة أخرى.
خامسًا: ما الحل الحقيقي؟
الحلول العاطفية وحدها لا تكفي، وكذلك الحلول العنيفة وحدها تفشل غالبًا. المطلوب هو سياسة متوازنة تراعي الإنسان والحيوان معًا.
الحلول الأكثر فاعلية:
1- التعقيم الواسع والمنظم
لأن المشكلة الأساسية هي التكاثر غير المسيطر عليه.
2- التطعيم ضد السعار
لحماية الصحة العامة.
3- إنشاء ملاجئ حقيقية بدل ترك الحيوانات في الشوارع.
4- قوانين صارمة للمربين خاصة من يتخلون عن كلابهم.
5- إدارة القمامة لأن الشوارع المفتوحة بالطعام تجذب الكلاب.
6- حماية المواطنين
من خلال:
خطوط ساخنة للتدخل السريع.
فرق متخصصة للتعامل مع الكلاب العدوانية.
حملات توعية للأطفال.
7- تهدئة الخطاب المجتمعي فالمجتمع لا يحتمل المزيد من الاستقطاب.
8 ــــــــ الرقمنة والمسؤولية: تفعيل نظام “الشريحة الإلكترونية” الإلزامي لكل كلب مملوك، لربط الحيوان بصاحبه جنائياً ومدنيا.
9 ــــ خريطة المخاطر: تدشين تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين الإبلاغ عن بؤر تجمع الكلاب العدوانية أو حالات السعار لسرعة تدخل الطب البيطري بالتعاون مع جمعيات الرفق بالحيوان لتعقيمها ونقلها.
وفي الختام علينا ان نعلم ان قضية الكلاب الضالة ليست مجرد معركة بين محبي الحيوانات وكارهيها، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على إدارة الخلاف بعقلانية.فالرحمة بالحيوان قيمة إنسانية مهمة، لكن حماية الإنسان وأمنه حق أساسي لا يقل أهمية. وبين الإفراط في العاطفة والإفراط في القسوة، يبقى الحل في الإدارة العلمية والتنظيم والقانون.إن تجاوز هذه الفتنة يتطلب الإقرار بحقيقتين: حق الطفل في شارع آمن، وحق الحيوان في معاملة رحيمة. وأي حل يغفل أحد الطرفين لن يكون إلا تأجيلاً لانفجار قادم.
إن أخطر ما في “الفتنة الكلبية” ليس الكلاب نفسها، بل تحوّل النقاش إلى حالة من الكراهية والانقسام، وكأن المجتمع فقد قدرته على إيجاد حلول وسط تحفظ الأمن والرحمة معًا.




