مني النمر تكتب: بين النار و النجاة …!!

في عالم يمتلئ بالفوضى، لم تعد المؤامرات تُدار في الظلام كما كانت من قبل، بل أصبحت تتحرك علنا، تتغير أدواتها، لكن يبقى هدفها واحد … تفتيت الدول، إسقاط الجيوش، وتمزيق الشعوب حتى تتحول المنطقة إلى خرائط ممزقة يسهل التحكم فيها والسيطرة على ثرواتها. ما جرى خلال السنوات الماضية في منطقتنا العربية لم يكن صدفة، ولم يكن مجرد أحداث متفرقة بلا مترابطة. فمن يتأمل المشهد جيدا، يرى كيف سقطت دول كانت يوماً أعمدة أساسية في المنطقة. العراق تم استنزافه، سوريا تحولت إلى ساحة صراع دولي، اليمن غرق في حرب طويلة، ليبيا أصبحت رهينة للفوضى والانقسام، وها هو السودان ينزف حتى هذه اللحظة. لم يكن الهدف إسقاط أنظمة فقط، بل إسقاط فكرة “الدولة” نفسها. وفي وسط كل هذا الخراب، بقيت مصر .

الدولة التي حاولوا معها بكل الطرق. مرة عبر الفوضى، ومرة عبر الإرهاب، ومرة عبر إنهاك الاقتصاد، ومرة عبر ضرب الثقة بين الشعب و مؤسسات الدولة . كانت الخطة واضحة: إنهاك الداخل حتى تسقط الدولة من داخلها دون حرب مباشرة. لكن ما لم يدركه كثيرون، أن مصر ليست دولة عادية يمكن إسقاطها بالسيناريوهات التقليدية. فهذه الدولة، التي واجهت موجات عنف وإرهاب غير مسبوقة، نجحت رغم كل شيء في استعادة توازنها،و استعادت معها جزءً كبيراً من دورها الإقليمي. و لا يخفى على أحد حجم التحرك المصري خلال السنوات الأخيرة لإعادة ترميم الصدع العربي، ومحاولة منع المنطقة من الانزلاق الكامل نحو التفكك.

فبينما كانت أطراف عديدة تعمل على شق الصف العربي، وإشعال الخلافات بين الدول الخليجية والعربية، تحركت مصر لإعادة فكرة “الدولة الوطنية” إلى الواجهة، ليس بالشعارات، بل بالمواقف والتحركات السياسية. منا افشل الكثير من الخطط . وربما لهذا السبب تحديداً، أصبحت مصر هدفاً دائماً لكل من يرى أن بقاءها قوية يمثل عقبة أمام مشروع أكبر لإعادة تشكيل المنطقة. لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أيضا، أننا لا نعيش في مدينة فاضلة.

نعم …
هناك نجاحات سياسية وإقليمية لا يمكن إنكارها، وهناك استعادة واضحة لدور الدولة المصرية خارجياً، لكن في المقابل، هناك ضغوط حقيقية يشعر بها المواطن كل يوم. أسعار ترتفع، خدمات تزداد كلفتها، رواتب لم تعد تكفي، معاشات تآكلت أمام موجات الغلاء، اعداد كبيره من اللاجئين تفوق قدرة اى دولة و ما بال دولة كمصر ، تشكو من تعداد سكاني كبير و ضغوط اقتصادية رهيبة ، مما زاد من الأعباء اليومية و التي أصبحت تثقل كاهل الناس بصورة لم تعد خافية على أحد. وهنا تكمن القضية الأخطر … لأن قوة أي دولة في الخارج لا تكتمل إلا بصلابة جبهتها الداخلية . فالشعوب قد تتحمل الصعاب عندما تشعر بالأمل، لكنها تحتاج دائما إلى الإحساس بأن الدولة تراها، تسمعها، وتعمل من أجلها بنفس القدر الذي تدافع به عن حدودها ومصالحها.لقد نجحت مصر في عبور مرحلة كانت الأخطر في تاريخها الحديث.ونجحت في هزيمة الإرهاب، ليس فقط بالسلاح، بل بتماسك الدولة نفسها. يومها خرج الشعب خلف جيشه ومؤسساته لأنه شعر أن المعركة تخص وجوده كشعب و دولة .
ولهذا …

فإن الحفاظ على هذا التماسك الشعبي لم يعد رفاهية، بل ضرورة أمن قومي.

فالمنطقة من حولنا ما زالت مشتعلة، و التحولات الدولية أصبحت شيطانية ، والصراعات لم تعد تعتمد فقط على الجيوش فقط ، بل على إنهاك المجتمعات من الداخل، وضرب ثقة الشعوب في أوطانها، وتحويل الضغوط الاقتصادية إلى بوابة للفوضى .
ومن هنا …

يصبح الاهتمام بالداخل المصري ضرورة لا تقل أهمية عن أي تحرك خارجي. لأن بناء الإنسان، وتخفيف الأعباء عنه، واستعادة ثقته، ليست ملفات خدمية فقط … بل خطوط دفاع حقيقية عن أمن و صلابة الدولة . لقد تجاوزت مصر سنوات النار …
لكن الحفاظ على ما تبقى، يحتاج اليوم إلى معركة مختلفة.
معركة وعي…

ومعركة عدالة…
ومعركة الحفاظ على الناس أنفسهم …

ومصر، التي نجحت في النجاة من العاصفة، تستحق الآن أن تنتصر في معركتها الأصعب…
معركة صمود الداخل …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى