أنيربانموكيرجي يكتب: كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي السيادي رسم ملامح المستقبل المالي لكل مصري
مدير هندسة الحلول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا– ريد هات
3 مايو 2026: يشهد القطاع المصرفي المصري لحظة تاريخية فارقة، تتمثل في منح البنك المركزي المصري الموافقة لشركة مصر للابتكار الرقمي (MDI) للتحول رسمياً إلى “وان بنك”، كأول بنك رقمي متكامل في مصر. وتمثل هذه الخطوة ركيزة أساسية ضمن رؤية مصر الطموحة لبناء اقتصاد رقمي مستدام، بما يدعم بشكل مباشر استراتيجية الشمول المالي للبنك المركزي المصري ومستهدفات رؤية مصر 2030.
ويقع الذكاء الاصطناعي في صميم هذا التحول من الخدمات المصرفية التقليدية القائمة على الفروع إلى النماذج الرقمية المتاحة على مدار الساعة؛ إذ يوفر الإطار اللازملتقديم الخدمات الحديثة، بدءاً من كشف الاحتيال والتقييم الائتماني ووصولاً إلى تقديم تجارب فائقة التخصيص للعملاء.
ويأتي هذا التطور مدفوعاً بارتفاعٍ لافت في معدلات الشمول المالي في مصر، إذ يمتلك اليوم نحو 54.7 مليون مواطن مصري حساباتنشطة تتيح لهم إجراء معاملات مالية، ما يمثل نمواً بنسبة 219% منذ عام 2016. ومن خلال توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية لجميع فئات المجتمع، أصبحت البنوك قادرة على استقطاب شرائح جديدة من المستخدمين، بما فيها الفئات التي لا تغطيها الخدماتوالفئات محدودة الوصول إلى الخدمات المصرفية.
وفي ظل تبني المؤسسات للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بهدف تقديم خدمات محسنة ومخصَّصة، وأتمتة الاستجابة للحوادث، وتعزيز اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات، اتسع نطاق التركيز الاستراتيجي ليشمل أيضاً إقامة البيانات وأعباء العمل، إلى جانب التحكم في البنية التحتية الأساسية الداعمة لها.
وتواجه البنوك المصرية حاجة ملحّة إلى الامتثال لمتطلبات السيادة الرقمية، وتشمل ما نصّ عليه الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2023. ويتطلب الوفاء بهذه المتطلبات تجاوز المفهوم التقليدي لإقامة البيانات، والانتقال نحو سيادة البيانات، بما يضمن التحكم ليس فقط في مكان تخزينها، بل أيضاً في مواقع وآليات معالجتها.
حرية الاختيار عبر السحابة الهجينة المفتوحة
يتيح نهج السحابة الهجينة المفتوحة للبنوك الامتثال لهذه المتطلبات، إلى جانب تعزيز حرية الاختيار والمرونة التشغيلية، إذ يمكّنها من نقل أعباء العمل بشكل ديناميكي وفقاً لعوامل التكلفة والأداء والتغييرات التنظيمية المحلية.
وتستطيع البنوك أيضاً تشغيل أعباء العمل الحساسة ضمنالبيئات السيادية أوالداخلية للمؤسسة، مستفيدةً من قدرات السحابة على التوسع. ومن خلال دمج مفهوم السيادة في المنصة، يمكن للمؤسسات المصرفية الاستفادة من المرافق الوطنية مثل مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية، لتوطين التكنولوجيا واستضافة الأنظمة وإدارتها داخل الحدود الوطنية، بما يحدّ من التعرض للاضطرابات الخارجية ويوفر شبكة أكثر أماناً للتطبيقات الحيوية.
المرونة واستمرارية الأعمال
تتولى مؤسسات رائدة في مصر مثل بنك مصر وبنك نكست قيادة مسار التحول نحو ذكاء اصطناعي آمن وقابل للتفسير، من خلال تبنّي تقنياتٍ مفتوحة المصدر لتحديث أنظمتها الأساسية، وغالباً ما يتم ذلكعبر التكامل مع الأنظمة القائمة، إذ تتيح طبقة تقنية موحّدة للمؤسسات دمج خدمات الذكاء الاصطناعي الجديدة مع البنية التحتية الحالية، دون الحاجة إلى إعادة بناء الأنظمة التي لا تزال تعمل بكفاءة.
الثقة في عصر الوكلاء المستقلين
مع تزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرار، يصبح بناء الثقة ضرورةً استراتيجية لا غنى عنها. ونظراً لأن العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل بوصفها “صناديق سوداء” معتمة، فإنها قد تنطوي على مخاطر تنظيمية ومخاطر تتعلق بالسمعة. ومن هذا المنطلق، تسهم المنصات المفتوحة في معالجة هذا التحدي عبر الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، بما يتيح للبنوك والجهات التنظيمية تدقيق القرارات وتعزيز الشفافية.
ويستفيد السوق المصري أيضاً من قاعدة كفاءات تضم أكثر من 100 ألف شاب محترف يتم تدريبهم سنوياً في مجالات التكنولوجيا. وتتيح هذه القاعدة للمطورين المحليين استخدام الأدوات مفتوحة المصدر ومجموعات البيانات باللغة العربية لتدريب النماذج على فهم السياق الثقافي المصري بدقة، بما يتيح إمكانية تقديم تجارب مصرفية سلسة وفائقة التخصيص للعملاء.
ويعتمد مستقبل التحول إلى نموذج “وان بنك” في مصر على مدى قدرة القطاع على تقديم خدمات سلسة عبر مختلف القنوات الرقمية. ومن خلال تبنّي التقنيات مفتوحة المصدر ومبادئها، تستطيع البنوك الحفاظ على التحكم التشغيلي والامتثال التنظيمي، مع بناء أساس مرن يدعم الابتكار طويل الأمد. ويشكّل هذا النهج ركيزةً أساسية لتوسيع نطاق الخدمات المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتشمل نحو 110 مليون مواطن مصري.



