د. رائد ناجي يكتب: الإنشاد بين الرسالة والوظيفة: حين يتحول الصوت من وعي الأمة إلى زوايا الاستهلاك الرمزي

في تاريخ الثقافة الإسلامية، لم يكن الإنشاد يوما مجرد أداء صوتي أو زخرفة وجدانية، بل كان في جوهره خطابا موازيا للوعي، وامتدادا للذاكرة الجمعية، وصيغة رمزية لتمرير القيم الكبرى للأمة عبر الجمال.
غير أن التحولات الحديثة في بنية المجال الثقافي والإعلامي أدت إلى انزياحات عميقة داخل هذا الفن، جعلت بعض الممارسين ينفصلون تدريجيا عن رسالته الأصلية، وينتقلون من فضاء الالتزام إلى فضاء التوظيف الشكلي.
الإنشاد، في أصله، كان مرتبطا بالمعنى قبل اللحن، وبالقضية قبل الأداء، وبالرسالة قبل الجمهور.
لكنه اليوم، في بعض تجلياته، أصبح أقرب إلى منتج صوتي قابل للاستهلاك السريع، يُعاد تدويره داخل منصات محددة، ويُختزل في لحظات عاطفية منفصلة عن سياقها الفكري والاجتماعي.
هنا يبدأ السؤال: كيف يتحول فن تأسس على الوعي إلى ممارسة محايدة أو حتى منفصلة عن قضايا الأمة؟ إن جزءا من الإشكال يرتبط بما يمكن تسميته بـ“تخصيص المجال الإنشادي”، حيث يُدفع بعض المنشدين إلى العمل داخل زوايا موضوعية ضيقة، تركز على الجانب الوجداني الصرف، أو على موضوعات عامة لا تثير اشتباكا مع الواقع.
هذا التخصيص لا يحدث دائما بشكل مباشر أو مقصود، لكنه يتشكل تدريجيا عبر آليات السوق الإعلامي، ومتطلبات الانتشار، ومنطق الطلب الجماهيري السريع. في هذا السياق، يفقد الإنشاد تدريجيا قدرته على أن يكون أداة مساءلة أو تفكير، ويتحول إلى مساحة للتهدئة بدل التحريك، وللتفريغ العاطفي بدل بناء الوعي.
وهنا يظهر نوع من “الانسلاخ الرمزي” عن الرسالة الأصلية، حيث يُستبدل المحتوى القيمي العميق بمحتوى جمالي آمن، لا يصطدم بالأسئلة الكبرى ولا يفتحها. غير أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لتغير وظيفة الثقافة الدينية في العصر الحديث. فمع صعود الإعلام الرقمي ومنطق المنصات، أصبحت القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر، وبسرعة الانتشار لا بصلابة الفكرة. وهذا ما جعل بعض المنشدين، بوعي أو دون وعي، يعيدون تشكيل خطابهم لينسجم مع هذه المعايير الجديدة.
إن الإشكال لا يكمن في الجماليات الصوتية للإنشاد، فهي جزء أصيل من بنيته، بل في انفصاله عن قضايا الوعي الكبرى: قضايا العدالة، والهوية، والاحتلال، والانحطاط الحضاري، وأسئلة الإنسان المعاصر في علاقته بالمعنى. فعندما ينفصل الصوت عن هذه الحقول، يفقد جزءا من وظيفته التاريخية، ويصبح أقرب إلى طقس جمالي معزول. ومع ذلك، لا يمكن التعميم، فهناك تيار إنشادي ما يزال وفيا لجوهره الأول، يربط بين الجمال والرسالة، وبين الصوت والموقف، ويجعل من الإنشاد مساحة لإحياء الوعي لا لتخديره.
لكن هذا التيار يجد نفسه اليوم في مواجهة تحديات معقدة، أبرزها ضغط السوق، وتغير ذائقة الجمهور، وتراجع الاهتمام بالمضامين الفكرية لصالح الشكل. في المقابل، يمكن ملاحظة أن بعض التجارب الإنشادية التي اختارت البقاء داخل “الزوايا الآمنة” نجحت في تحقيق انتشار واسع، لكنها في الوقت نفسه فقدت جزءا من تأثيرها العميق. فهي حاضرة بقوة على مستوى الاستماع، لكنها غائبة على مستوى الأثر الفكري والوجداني العميق الذي كان يميز الإنشاد في مراحله التأسيسية.
إن السؤال الجوهري هنا ليس فقط عن المنشد، بل عن وظيفة الصوت ذاته: هل هو للتجميل أم للتذكير؟ هل هو للمتعة العابرة أم لإعادة تشكيل الوعي؟ وهل يمكن لفن أن يبقى حياديا في عالم مثقل بالصراعات والأسئلة الوجودية والسياسية؟ في العمق، لا يمكن فصل الإنشاد عن السياق الحضاري الذي ينتجه.
فحين تكون الأمة في حالة حضور تاريخي وفاعلية فكرية، يميل الفن إلى أن يكون امتدادا لهذه الحيوية. أما حين يضعف الحضور، يبدأ الفن في الانكماش نحو الذات الجمالية، ويكتفي بإعادة إنتاج الانفعال بدل إنتاج المعنى.
ومن هنا، فإن مسؤولية إعادة وصل الإنشاد برسالته الأصلية لا تقع على المنشد وحده، بل على المنظومة الثقافية بأكملها: المؤسسات، الجمهور، المنابر، والنقاش العام. فالفن لا يعيش في فراغ، بل في شبكة من العلاقات التي تحدد اتجاهه وعمقه وحدوده.
إن إعادة الاعتبار للإنشاد كأداة وعي لا تعني تحويله إلى خطاب سياسي مباشر، بل تعني استعادة قدرته على طرح الأسئلة، وإيقاظ الحس النقدي، وربط الجمال بالمعنى، والصوت بالضمير الجمعي. فحين ينفصل الصوت عن رسالته، يتحول إلى مجرد صدى، أما حين يستعيدها، فإنه يصبح فعلا من أفعال الوعي.
وهكذا، يبقى التحدي الحقيقي أمام المشهد الإنشادي اليوم هو تجاوز لحظة “الزوايا الآمنة”، نحو فضاء أكثر اتساعا وجرأة وارتباطا بالواقع، حيث لا يكون الإنشاد مجرد أداء جميل، بل خطابا حيا يشارك في صياغة وعي الأمة، لا في تخديره.



