د. رائد ناجي يكتب: حين يختبر الظل صلابة الضوء

قراءة استقرائية في مآلات الاتفاق المبدئي بين طهران وواشنطن وتقاطعات الجهد الدولي والباكستاني..

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الاتفاقات بما تعلنه من بنود، بل بما تخفيه من توترات كامنة، وما تؤجله من استحقاقات مؤجلة.

هكذا يبدو الاتفاق المبدئي بين طهران وواشنطن، لا كوثيقة سياسية فحسب، بل كفضاء كثيف تتصارع داخله الإرادات، وتتشابك فيه الحسابات الجيوسياسية، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة على نحو متدرج، حذر، ومفتوح على احتمالات شتى.

إننا بإزاء اتفاق لا يريد أن يكون نهائيا بقدر ما يسعى لأن يكون ممكنا، ولا يطمح إلى الحسم بقدر ما يراهن على إدارة التعقيد.

من زاوية تفكيكية، يمكن القول إن هذا الاتفاق يحمل في داخله بذور نقيضه؛ إذ يقوم على مفارقة مركزية مفادها أن الثقة تُبنى بين طرفين تاريخهما مثقل بانعدامها.

هذه المفارقة لا تُحل عبر النصوص، بل عبر آليات التنفيذ، حيث تتحول كل خطوة إجرائية إلى اختبار مضاعف: اختبار للنوايا، واختبار للقدرة على ضبط الفاعلين الثانويين الذين قد يعملون على إفشاله. ومن هنا، فإن المآلات لا تُقرأ في ضوء التوافق المعلن، بل في ضوء التوتر المضمر الذي يرافق كل بند من بنوده. أما الجهود الدولية، فهي بدورها لا تتحرك في فراغ محايد، بل ضمن شبكة من المصالح المتقاطعة.

القوى الكبرى، التي تبدو ظاهريا حريصة على استقرار هذا الاتفاق، تدرك في العمق أن استدامته قد تعيد تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الاوسط، وهو ما يجعل دعمها له مشروطا، ومحملا بحسابات دقيقة. إننا هنا أمام دعم لا يخلو من التردد، ومساندة لا تنفصل عن الرغبة في إعادة التوازن بما يخدم المصالح الاستراتيجية لكل طرف.

وفي هذا السياق، تبرز باكستان كفاعل غير تقليدي، يسعى إلى التموضع في منطقة رمادية بين الوساطة والانخراط. إن الجهد الباكستاني لا يمكن قراءته فقط باعتباره دعما تقنيا أو دبلوماسيا، بل بوصفه محاولة لإعادة تعريف دور إسلام آباد في المعادلة الدولية. فهي، من جهة، تمتلك علاقات متشابكة مع طهران، ومن جهة أخرى، تحافظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن، ما يمنحها قدرة نسبية على لعب دور الوسيط المرن، القادر على امتصاص الصدمات، وتخفيف حدة التوترات.

غير أن هذا الدور الباكستاني يظل محكوما بجملة من القيود البنيوية؛ فالتوازن الدقيق الذي تحاول إسلام آباد الحفاظ عليه قد يتحول، في لحظة ما، إلى عبء، إذا ما تصاعدت الضغوط من أحد الطرفين. كما أن البيئة الاقليمية، بما تحمله من صراعات متداخلة، قد تحد من قدرة باكستان على الاستمرار في هذا الدور دون انزلاق نحو اصطفافات أكثر وضوحا.

إن المآلات المحتملة لهذا الاتفاق يمكن استشرافها عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية. أولها، سيناريو التثبيت التدريجي، حيث يتم تحويل الاتفاق المبدئي إلى إطار مستقر، عبر بناء الثقة خطوة بخطوة، وتوسيع دائرة الالتزامات المتبادلة. هذا السيناريو يفترض قدرة الأطراف على ضبط الفاعلين المعارضين، وإدارة الأزمات الطارئة دون الانزلاق نحو التصعيد.

أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو التعثر المنضبط، حيث يستمر الاتفاق شكليا، لكنه يفقد تدريجيا فاعليته، نتيجة تراكم الخروقات الصغيرة، وتآكل الثقة بين الطرفين. في هذا السياق، تتحول الجهود الدولية، بما فيها الباكستانية، إلى محاولات مستمرة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، دون القدرة على إنعاشه فعليا. بينما يتمثل السيناريو الثالث في الانهيار المفاجئ، حيث يؤدي حدث مفصلي، أمني أو سياسي، إلى تقويض الأسس الهشة التي يقوم عليها الاتفاق، ما يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد، ويفتح الباب أمام مواجهات غير محسوبة. في هذا السيناريو، تتكشف حدود الدبلوماسية، وتبرز من جديد لغة القوة كأداة لإدارة الصراع. غير أن ما ينبغي الانتباه إليه، هو أن هذه السيناريوهات ليست منفصلة بشكل قاطع، بل قد تتداخل، وتتقاطع، وتتحول من واحدة إلى أخرى تبعا لتغير المعطيات. فالاتفاق، في جوهره، ليس حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية، تتشكل باستمرار تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية.

في المحصلة، يمكن القول إن الاتفاق المبدئي بين طهران وواشنطن يمثل لحظة اختبار مزدوجة: اختبار لقدرة الخصوم على التحول إلى شركاء مرحليين، واختبار لقدرة النظام الدولي على إنتاج توازنات جديدة دون الانزلاق نحو الفوضى.

أما الجهد الباكستاني، فيبقى رهانا على إمكانية لعب أدوار وسطية في عالم يتجه، على ما يبدو، نحو مزيد من الاستقطاب.

وهكذا، يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام بداية مسار جديد نحو التهدئة، أم أمام هدنة مؤقتة في صراع طويل؟ إن الإجابة لا تكمن في النصوص المعلنة، بل في تلك المساحات الرمادية التي تتحرك فيها السياسة، حيث يُصاغ المستقبل، لا بما يُقال، بل بما يُفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى