د. رائد ناجي يكتب: من الأمة إلى القطر

حين انكفأ الحلم الكبير وتكاثر الوهن الصغير لم يكن التحول الذي أصاب البنية السياسية العربية مجرد انزياح في الخطاب، أو تبدل في الشعارات، بل كان انقلاباً هادئاً في الوعي، عميق الأثر في المصير.

فمنذ عقود ليست بالبعيدة، كان الوجدان العربي مشدوداً إلى فكرة جامعة، تتكئ على مفهوم الأمة، وتستند إلى مشترك تاريخي وحضاري وثقافي، يُترجم في شعارات من قبيل “العرب أولاً”، لا بوصفها نداءً عاطفياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق.

غير أن هذا البناء أخذ يتآكل تدريجياً، حتى آل الأمر إلى تفكك الرؤية، وانكفاء الإرادة، وصعود منطق القطر بوصفه مركز الفعل ومبتدأ الغاية. إن الانتقال من العمل العربي المشترك إلى العمل القطري المنفرد، لا يمكن فهمه خارج سياق التراكمات التاريخية، والإخفاقات السياسية، والتدخلات الخارجية التي أعادت تشكيل الأولويات، وفرضت على الدول العربية أن تنكفئ على ذاتها، تبحث عن خلاصها الفردي، ولو كان ذلك على حساب المجموع.

وهنا تبرز المفارقة الحادة: فالعرب، حين كانوا يتحدثون بوصفهم أمة، كانوا يرسمون أهدافاً كبرى، تتجاوز الحدود، وتلامس القضايا المصيرية؛ أما حين انحصروا في الإطار القطري، فقد تقلصت الأهداف، وضاقت الرؤية، وانكمش الطموح، حتى صار البقاء هو الإنجاز، والاستقرار الهش هو الغاية. إن الفرق بين العرب كأمة، والعرب كأقطار، ليس فرقاً في الجغرافيا فحسب، بل هو اختلاف في منطق التفكير، وفي سلم الأولويات، وفي طبيعة المشروع.

فالأمة تفكر بمنطق التاريخ، وتتحرك بأفق المستقبل، وتستند إلى قوة التراكم؛ أما القطر، في لحظة الانغلاق، فإنه يفكر بمنطق اللحظة، ويتحرك تحت ضغط الضرورة، ويستجيب لإكراهات الداخل والخارج، دون أن يمتلك قدرة حقيقية على الفعل الاستراتيجي.

ومن هنا، يمكن قراءة مظاهر الوهن التي تتجلى في الواقع العربي المعاصر، بوصفها نتيجة طبيعية لهذا التحول. فالوهن السياسي يتمثل في غياب القرار المستقل، وتآكل القدرة على التأثير، وتفكك المواقف في القضايا المصيرية.

أما الوهن الاقتصادي، فينعكس في تبعية الأسواق، وارتهان الموارد، وعجز البنى الإنتاجية عن تحقيق الاكتفاء أو المنافسة.

ويزداد المشهد قتامة حين ننتقل إلى الوهن الاجتماعي، حيث تتسع الفجوات، وتتصاعد التوترات، وتضعف الروابط الجامعة.

ثم يأتي الوهن الثقافي، ليُكرّس حالة الاغتراب، ويُضعف الثقة بالذات، ويُربك الهوية. لقد كان التنبيه إلى هذا المسار مبكراً ضرورة فكرية، لا ترفاً معرفياً. فالتحذير من انزلاق الأمة إلى حالة الوهن، لم يكن مجرد توصيف لواقع، بل كان محاولة لاستشراف مآلات، والدعوة إلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الجامع. إن السؤال الذي طُرح منذ سنوات: “أما آن الأوان للأمة العربية أن تتعافى من وهنها؟”، لم يفقد راهنيته، بل ازداد إلحاحاً، لأن مظاهر الوهن لم تتراجع، بل تعمقت، وتداخلت، حتى صارت بنية قائمة بذاتها.

غير أن الإشكال لا يكمن في تشخيص الداء فحسب، بل في الجرأة على البحث عن الدواء. فالتعافي لا يمكن أن يتحقق بقرارات فوقية معزولة، ولا بشعارات عاطفية مستعادة، بل يحتاج إلى إعادة بناء الوعي، وصياغة مشروع عربي جديد، يُدرك تحولات العالم، ويستوعب خصوصيات الأقطار، دون أن يفقد البوصلة الجامعة.

إن التوازن بين الانتماء القطري والانتماء القومي، ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية، ونخبة فكرية قادرة على تجاوز الثنائيات العقيمة. كما أن استعادة الفاعلية العربية، تمر عبر إعادة تعريف المصالح، بحيث لا تكون متناقضة بالضرورة، بل قابلة للتكامل.

فالتجارب الدولية تُثبت أن التكتلات الكبرى لا تلغي خصوصيات أعضائها، بل تعززها ضمن إطار جامع. أما الاستمرار في منطق الانفراد، فإنه لا يؤدي إلا إلى مزيد من الهشاشة، في عالم لا يعترف إلا بالكيانات الكبرى، والقوى المتماسكة. إن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تحديات واضطرابات، تفتح في الوقت ذاته نافذة للتفكير المختلف.

فالأزمات، على قسوتها، قد تكون مدخلاً لإعادة النظر، ومراجعة المسارات، واستعادة ما يمكن استعادته من روح العمل المشترك. غير أن ذلك لن يتحقق ما لم يُطرح السؤال الجوهري بصدق: هل نريد أن نكون أمة، أم مجرد أقطار متجاورة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، هي التي ستحدد ملامح المستقبل، وترسم حدود الممكن.

أما الاستمرار في التردد، أو الاكتفاء بإدارة الوهن، فلن يؤدي إلا إلى ترسيخ حالة الانكفاء، وتكريس الفجوة بين ما كان يُحلم به، وما آل إليه الواقع. وفي ذلك، تكمن المأساة الكبرى: أن يتحول الحلم إلى ذكرى، وأن يصير المشروع إلى أطلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى