أنا وسيدُنا الخِضْرُ.. شِعر بقلم: إبراهيم خالد

في الدربِ نلتقي
على صمتِ بحرٍ لا يُرى ويُرتقى
سَألتُ طريقي، قالَ: صبرٌ فإنّهُ
مفاتيحُ سرٍّ لا يُباحُ لِمُرتقى
فأمسكتُ قلبي عن سؤالٍ مُلحٍّ
وأطلقتُ روحي في السكوتِ مُحلِّقَا
وقالَ: إذا ما كنتَ تبغي معِي الهُدى
فدعْ عنكَ ما تهوى، ولا تتبعِ القَلَقَا
وسِرْ خلفَ ظِلّي لا تُجادلْ خُطايَتي
فإنّكَ لن تُبصِرْ من الأمرِ مُغلقَا
رأيتُ خُروقًا في سفينةِ رحلتِي
فهاجَ فؤادي، ثمّ آثرتُ أن أبقَى
وأغمضتُ عيني عن سؤالٍ يُثيرني
كأنّي على نارِ التساؤلِ مُحرَقَا
فقالَ: أفي الصبرِ ارتقاءٌ لنفسِنا؟
فقلتُ: بلى، بالصبرِ نبلغُ مُشرِقَا
ومررنا، وطفلُ الدربِ أضحى حكايةً
تُحيّرُ عقلًا كان يسألُ مُرهَقَا
فكظمتُ شوقي للفُهومِ، ولم أقلْ
سوى: إنّ علمَ اللهِ أوسعُ مُطلَقَا
وقالَ: إذا ما ضاقَ صدركَ فاحتملْ
فإنّ الذي لا يُدرَكُ اليومَ يُتَّقَى
وكم جئتُ أبكي في المساءِ خفيةً
وأكتمُ سرًّا في الحنايا مُعَلَّقَا
فما كلُّ ما يُروى يُباحُ لأهلِهِ
ولا كلُّ بابٍ بالرجاءِ مُوَفَّقَا
فعلّمني أن لا أُلاحقَ حِكمةً
وأن أتركَ التأويلَ إن صارَ مُغرِقَا
وأنظرَ للدنيا بعينِ تسامحٍ
وأمضي، ولو كان الطريقُ مُحطَّمَا
ففي كلِّ كسرٍ حكمةٌ خفيّةٌ
وفي كلِّ صبرٍ نورُ فجرٍ تألّقَا
سألتُه: إلى أينَ المسيرُ؟ فأعرضَ
وقالَ: إلى ما لا تُحيطُ بهِ التُّقَى
فصمتُّ، كأنّي قد تعلّمتُ درسَهُ
بأنّ السكوتَ عن السؤالِ هوَ الرُّقَى
وأنّ الذي يمشي بلا شرطِ عِلّةٍ
يُلاقِي من الأسرارِ بحرًا مُدَفَّقَا
فيا صاحِ، إن جئتَ الخِضِرْ مُصاحبًا
فلا تسألَنّ، وكن على الصبرِ مُوثِقَا
فما صحبةُ الأبرارِ إلا تجرّدٌ
من الشكِّ، حتى يستقيمَ لكَ المُلتقَى
أنا والخِضِرُ نمضي ولا حدَّ بيننا
سوى أنّني بالصبرِ صرتُ مُحقَّقَا
فلا غايةٌ تُرجى، ولا دربَ ينتهي
سوى أن نُسَلِّمَ أمرَنا حيثُ يُلتقَى



