مني النمر تكتب: على الفطرة … الرحمة …
رمضان ليس شهر امتناع عن الطعام والشراب فقط ، وليس سباق في عدد الركعات ولا في صور الموائد الممتلئة .
بل هو محطة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد المعاني التي اختفت من حياتنا …
وأول ما نحتاج إلى استعادته في هذا الشهر الفضيل … الرحمة …
قال الله تعالى:
﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
بهذه الكلمة لخص الله رسالة نبيه ﷺ .
تأمل المعنى قليلا .
لم يقل: معلما، ولا حاكما، ولا قائدا فقط، بل قال : رحمة …
كأن الرحمة هي الإطار الذي يضم كل شيء …
هي الأصل في التشريع ، وفي التعامل ، وفي الكلمة، وفي الموقف …
لم تكن الرحمة خُلقا ثانوياً ، بل كانت جوهر الرسالة كلها …
لكن ماذا حدث لنا …!!؟
لماذا أصبح اللطف يُفسر ضعف ؟
ولماذا صارت القسوة تفسر بالحزم ؟
ولماذا أصبح كثيرون يفتخرون بقدرتهم على التجاهل ، لا بقدرتهم على الاحتواء ؟
نعيش زمن السرعة، والمقارنات، والضغوط .
كل واحد يحمل عبئه و همه وحده ، ولم يعد هناك مكان لهموم من حوله ، فأصبح السلوك السائد نفسي ثم نفسي .
شيئا فشيئا، تتجمد المشاعر .
فأصبحنا أقل صبرا، أقل تفهما لهموم الآخرين ، أقل استعدادا لاتماس الأعذار …
في بيوتنا، كم مرة نحاسب أبناءنا بلا إنصات ؟
في أعمالنا، كم مرة نغلب القسوة على التفهم و التراحم ؟
في علاقاتنا، كم مرة ننتظر المثالية من الآخرين بينما نطلب لأنفسنا الأعذار ؟
رمضان يأتي ليعيدنا إلى المعنى الأول للحياة يعيدنا إلى الفطرة …
حين نجوع ، نتذكر المحتاج ، حين نعطش، نشعر بضعفنا .
حين نقف بين يدي الله، نستشعر حاجتنا إلى رحمته …
فنرجو رحمته كل ليلة .
نرفع أيدينا ونطلب المغفرة، ونتمنى أن يُعاملنا الله بلطفه لا بعدله .
فكيف نرجو لأنفسنا الرحمة ولا نمنحها لغيرنا …؟
حين تعود الرحمة إلى القلب ، يعود معها الاتزان في التعاملات …
فيهدأ الغضب ، وتلين الكلمة، ويصبح التعامل أرقى … فالمجتمع لا يُصلح بالقوانين وحدها، بل يُصلح بقلوب تعرف معنى الرحمة .
ربما لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نختار ألا نكون سببا في زيادة قسوته …
رمضان هذا العام يمكن أن يكون نقطة بداية .
بأن نسأل أنفسنا في نهاية كل يوم :
هل كنت اليوم أكثر رحمة ؟
هل خففت ألما عن أحد ؟
هل عاملت الناس كما أحب أن يعاملني الله …؟
فربما يكون أعظم ما نخرج به من هذا الشهر ، ليس عدد الختمات ، ولا كثرة الموائد ، بل قلب أكثر لينا … وأكثر رحمة …
فهل نمنح قلوبنا فرصة العودة …؟



