عاطف طلب يكتب : أصحاب المعاشات خارج الحسابات… لماذا غابت حقوقهم عن الحزمة الجديدة؟

في كل مرة تُعلن فيها الحكومة عن حزمة اجتماعية جديدة، يتجدد الأمل لدى ملايين من أصحاب المعاشات بأن تحمل لهم إنصافًا طال انتظاره. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الشريحة، التي أفنت عمرها في خدمة الدولة، لا تزال تشعر بأنها تقف على هامش الأولويات، وكأن الزمن طوى صفحات عطائها سريعًا.

الحزمة الاجتماعية الأخيرة، رغم أهميتها في تخفيف الأعباء عن قطاعات مختلفة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا مشروعًا: أين أصحاب المعاشات من خريطة الدعم الحقيقي؟ ولماذا يتكرر شعورهم بأنهم الحلقة الأضعف في معادلة الحماية الاجتماعية؟
أصحاب المعاشات لا يطلبون ترفًا ولا امتيازات خاصة، بل يطالبون بحقوق واضحة ومنطقية، في مقدمتها معاش عادل يواكب الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة. فالفجوة بين الدخول الثابتة والأسعار المتحركة اتسعت بشكل يهدد الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكثير منهم، خصوصًا أصحاب المعاشات المتوسطة والمنخفضة.

الواقع يقول إن أي زيادة رقمية لا ترتبط فعليًا بمعدلات التضخم تتحول سريعًا إلى مجرد رقم على الورق. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: المعالجة لا تزال جزئية، بينما المطلوب رؤية هيكلية شاملة تعيد ضبط منظومة المعاشات بالكامل.
كما أن تجاهل البعد الإنساني في هذا الملف يثير القلق. فنحن نتحدث عن شريحة تضم كبار السن، وأصحاب أمراض مزمنة، وأسرًا تعتمد كليًا على دخل معاش محدود. هؤلاء لا يملكون رفاهية الانتظار الطويل أو الوعود المؤجلة.

ومن زاوية أخرى، فإن إنصاف أصحاب المعاشات ليس عبئًا ماليًا كما قد يتصور البعض، بل هو استثمار مباشر في الاستقرار الاجتماعي. فكل جنيه يُضخ لتحسين أوضاعهم يعود في صورة طلب استهلاكي، وطمأنينة مجتمعية، وثقة متبادلة بين المواطن والدولة.

المطلوب اليوم من الحكومة، وعلى رأسها رئيس الوزراء، ليس فقط الإعلان عن زيادات دورية، بل تبني حزمة متخصصة لأصحاب المعاشات تقوم على ثلاثة محاور واضحة:
ربط المعاشات تلقائيًا بمعدلات التضخم.
رفع الحد الأدنى للمعاش بما يواكب خط الفقر الحقيقي.

تبسيط إجراءات الحصول على المستحقات والخدمات الصحية المرتبطة بهم.
الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح: أصحاب المعاشات ليسوا عبئًا على الحاضر، بل هم شركاء في بناء الماضي الذي نقف عليه اليوم. وإن تجاهلهم — حتى لو كان غير مقصود — يترك أثرًا اجتماعيًا ومعنويًا لا ينبغي الاستهانة به.
ويبقى الأمل أن تعيد الحكومة النظر سريعًا في هذا الملف الحيوي، لأن كرامة من خدموا الوطن بالأمس… هي اختبار حقيقي لعدالة الحاضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى