المستشار/ محمد سيد أحمد يكتب: محكمة النقض تحسم النزاع حول إشكاليات “سقوط العقوبة” وتضع قواعد فاصلة

أرست محكمة النقض مبدأً قضائياً هاماً يُنهي الجدل حول كيفية احتساب مدة سقوط العقوبة، مقررةً أن السقوط يبدأ من تاريخ آخر إجراء صحيح، ويُعد هذا التاريخ هو المبتدأ لاحتساب المدة حسب نوع الجريمة.

تطورات الواقعة: صراع من أجل الحرية

تتلخص الواقعة في اتهام “حدث” عام 2015 بجرائم تجمهر وبلطجة. أُحيل للمحاكمة، وصدر ضده حكم غيابي، فقام بعمل “معارضة” لكنه لم يحضرها، فقضت المحكمة باعتبار المعارضة “كأن لم تكن”.

بعد مرور 10 سنوات، استأنف المتهم الحكم، وقدم “دليل عذر” (مرضي) برر غيابه طوال هذه المدة. قبلت محكمة الاستئناف العذر شكلاً، ولكنها في الموضوع أيدت حكم أول درجة بالمعاقبة، متجاهلةً الدفع بانقضاء الدعوى أو سقوط العقوبة.

أمام محكمة النقض: التناقض الذي أبطل الحكم

تولى الدفاع طعن النقض مستنداً إلى تناقض جوهري في حكم محكمة الاستئناف:

  1. كيف تقبل المحكمة الاستئناف شكلاً (مما يعني قبول العذر القهري الذي أوقف المواعيد)؟

  2. ثم تعود في الأسباب لتقول إن المتهم لم يلتزم بالمواعيد القانونية؟

هذا التناقض جعل محكمة النقض تتدخل لتصحح المسار، مرسيةً المبادئ الآتية:

 أولاً: القواعد القانونية التي استندت إليها النقض

  • المادة 528 (إجراءات جنائية): تسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي 5 سنوات.

  • المادة 529 (إجراءات جنائية): تبدأ مدة السقوط من وقت صيرورة الحكم نهائياً.

  • نهائية الحكم: يُعتبر الحكم الصادر في جنحة نهائياً بفوات ميعاد الاستئناف (10 أيام)، وتسري مدة السقوط من تاريخ انقضاء هذا الميعاد.

 ثانياً: تفنيد المحكمة (كلمات تُكتب بماء الذهب)

أوضحت محكمة النقض أن الحكم الابتدائي الصادر في 12 ديسمبر 2015 (باعتبار المعارضة كأن لم تكن) أصبح نهائياً وقابلاً للتنفيذ لفوات ميعاد الاستئناف حينها.

المفاجأة القانونية: قررت المحكمة أن تقديم المتهم لاستئناف في عام 2024 (بعد 9 سنوات) وقبول المحكمة لعذره القهري، لا يمنع سريان مدة سقوط العقوبة التي بدأت منذ عام 2015. وبما أن الأوراق خلت من أي إجراء قاطع للمدة خلال تلك السنوات، فإن العقوبة قد سقطت بقوة القانون.

 ثالثاً: الإجراءات العملية لإثبات “السقوط”

لإتمام إجراءات السقوط قانوناً، يتطلب الأمر استخراج 3 شهادات أساسية (تُثبت عدم وجود قواطع للمدة):

  1. شهادة تنفيذ أحكام: تفيد بأنه غير مطلوب على ذمة أحكام أخرى.

  2. شهادة من مصلحة السجون: تفيد بأنه لم يكن محبوساً (لأن الحبس يقطع مدة السقوط).

  3. شهادة تحركات (الجوازات): تفيد بأنه لم يكن خارج البلاد (لأن السفر يوقف المدة).

الخلاصة والمبدأ المستحدث

قضت محكمة النقض بنقض الحكم المستأنف، والقضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بحكم نهائي (وهو حكم المعارضة الصادر في 2015).

المبدأ: اعتبار حكم المعارضة الجزئية حكماً نهائياً تبدأ منه مدة سقوط العقوبة، حتى لو قُبل استئناف المتهم لاحقاً بناءً على عذر قهري، طالما استغرقت مدة السقوط (5 سنوات في الجنح) وقتها دون إجراء قاطع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى