محمد عادل يكتب: سقنن رع تاعا الثاني.. الملك الذي واجه الهكسوس ودفع حياته ثمنًا للصراع من أجل مصر
عندما نتحدث عن تاريخ مصر القديمة، لا يمكننا أن نتجاوز واحدة من أكثر الفترات التاريخية إثارة، وهي فترة الصراع بين ملوك طيبة في جنوب مصر والهكسوس الذين بسطوا نفوذهم على شمال البلاد. وفي قلب هذه الأحداث يظهر اسم الملك سقنن رع تاعا الثاني، أحد ملوك الأسرة السابعة عشرة، والذي ارتبط اسمه ببداية مرحلة مهمة من مراحل الكفاح من أجل إعادة توحيد مصر.
مصر قبل سقنن رع.. بلاد منقسمة
شهدت مصر خلال عصر الانتقال الثاني حالة من الانقسام السياسي، حيث كان الهكسوس يحكمون أجزاء واسعة من شمال البلاد، واتخذوا من أواريس، المعروفة حاليًا بتل الضبعة في شرق الدلتا، مركزًا رئيسيًا لحكمهم، بينما استمر ملوك الأسرة السابعة عشرة في حكم طيبة ومناطق من جنوب مصر.
لم تكن مصر في ذلك الوقت دولة موحدة تحت سلطة ملك واحد، بل كانت تعيش صراعًا سياسيًا وعسكريًا على النفوذ والسيادة.
من هو سقنن رع تاعا الثاني؟
هو أحد ملوك الأسرة السابعة عشرة، حكم من طيبة، وكان يُعرف بلقب «الشجاع». وقد عاش في فترة شهدت تصاعد التوتر بين حكام طيبة والهكسوس.
وكانت زوجته الرئيسية الملكة إياح حتب، التي ارتبط اسمها لاحقًا بدورها المهم في استمرار المقاومة المصرية. ومن أبنائه الملكان كامس وأحمس الأول، اللذان كان لهما دور بارز في استكمال الصراع ضد الهكسوس.
كيف بدأت المواجهة؟
تروي إحدى القصص المصرية القديمة، المعروفة بقصة أبوفيس وسقنن رع، أن ملك الهكسوس أبوفيس أرسل رسالة إلى سقنن رع يشكو فيها من أصوات أفراس النهر في طيبة، التي كانت تزعجه رغم المسافة بين المدينتين.
وقد حملت هذه الرواية طابعًا أدبيًا ورمزيًا يعكس التوتر بين الطرفين، لكنها ليست دليلًا قاطعًا على أن هذه الواقعة كانت السبب الحقيقي لاندلاع الحرب.
والأهم تاريخيًا أن الصراع بين القوى المصرية في الجنوب وحكم الهكسوس في الشمال كان قد وصل إلى مرحلة المواجهة العسكرية.
النهاية المأساوية لملك شجاع
تكمن إحدى أكثر القصص إثارة في تاريخ سقنن رع في الطريقة التي انتهت بها حياته.
فقد احتفظت لنا مومياؤه بأدلة مادية مذهلة على تعرضه لعنف شديد، حيث ظهرت على جمجمته ووجهه إصابات متعددة، من بينها جروح وكسور عميقة.
وفي عام 2021، أُجريت دراسة علمية متقدمة باستخدام الأشعة المقطعية (CT Scan) على مومياء الملك، بواسطة عالمة الأشعة الدكتورة سحر سليم وعالم الآثار الدكتور زاهي حواس.
كشفت الدراسة عن إصابات خطيرة في مناطق متعددة من رأسه ووجهه، كما أظهرت تشوهات في اليدين رجّح الباحثان أنها قد تشير إلى أن الملك أُسر وقُيدت يداه قبل مقتله.
وطرح الباحثان سيناريو تعرضه لهجوم من عدة أشخاص باستخدام أسلحة مختلفة، مع احتمال أن تكون وفاته قد وقعت في سياق المواجهات العسكرية مع الهكسوس.
لكن من المهم علميًا أن نذكر أن تفاصيل اللحظات الأخيرة للملك ليست محسومة بصورة نهائية، وأن تحديد هوية كل من شارك في مقتله اعتمادًا على شكل الأسلحة وحده يظل موضع نقاش بين الباحثين.
من سقنن رع إلى كامس وأحمس.. استكمال مسيرة التحرير
لم ينتهِ الصراع بوفاة سقنن رع، فقد واصل ابنه الملك كامس المواجهة العسكرية ضد الهكسوس، ثم جاء الملك أحمس الأول ليستكمل المسيرة ويحقق الانتصار الحاسم الذي أنهى حكم الهكسوس وأعاد توحيد البلاد.
وبذلك ارتبطت هذه المرحلة بواحدة من أهم التحولات في التاريخ المصري القديم، وهي قيام الدولة الحديثة، التي شهدت بعد ذلك عصر القوة والتوسع المصري في عهد ملوك عظماء مثل تحتمس الثالث ورمسيس الثاني.
اكتشاف المومياء.. شهادة التاريخ التي لم تستطع القرون إخفاءها
عُثر على مومياء سقنن رع ضمن خبيئة المومياوات الملكية في الدير البحري عام 1881، وظلت مثار اهتمام الباحثين بسبب الحالة غير المعتادة التي وُجدت عليها، وخاصة الإصابات الواضحة في الرأس والوجه.
وبفضل تطور العلوم الطبية والتقنيات الحديثة، أصبح من الممكن دراسة هذه المومياء دون الحاجة إلى فك لفائفها بالكامل، وإعادة بناء تفاصيل الإصابات التي تعرض لها الملك منذ أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.
وفي الختام
إن قصة سقنن رع تاعا الثاني ليست مجرد قصة ملك انتهت حياته في ظروف مأساوية، بل هي صفحة مهمة من صفحات التاريخ المصري، تروي مرحلة من الصراع على وحدة البلاد واستقلال قرارها السياسي.
قد لا نعرف جميع تفاصيل المعركة التي انتهت بمقتله، وقد تبقى بعض أسرار تلك اللحظات محل بحث ونقاش، لكن ما نعرفه أن أبناءه كامس واحمس ملوك مصر القديمة العظماء استكملوا الصراع حتى تحقق توحيد مصر وبدأ عصر جديد من تاريخها.
وهكذا بقيت مومياء سقنن رع شاهدًا صامتًا على مرحلة فارقة من تاريخ مصر القديمة، وأحد الأدلة المادية التي تساعدنا على فهم ثمن الصراع الذي سبق قيام الدولة الحديثة.
فالتاريخ ليس مجرد أسماء ملوك وتواريخ حكم، بل قصص بشر وأحداث تركت آثارها حتى يومنا هذا.



