السفير التركي بالقاهرة: الشراكة الاستراتيجية مع مصر ضرورة للسلام والاستقرار.. والتبادل التجاري يقترب من 9 مليارات دولار

صالح موطلو شن: نتطلع إلى زيارة الرئيس السيسي لتركيا.. ونتوقع إنتاج صواريخ وسفن وطائرات ومسيّرات مشتركة خلال عشر سنوات

كتبت / هالة شيحة

أكد السفير التركي بالقاهرة صالح موطلو شن أن العلاقات الاستراتيجية والشراكة بين تركيا ومصر ليست مسألة أو قرارًا جديدًا أو مجرد خيار، بل ضرورة تفرضها متطلبات السلام والأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة المشتركة، وخاصة شرق المتوسط، مشيرًا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين مرشح للاقتراب من 9 مليارات دولار خلال العام الجاري.

جاء ذلك خلال الاحتفال الذي أقامته السفارة التركية بالقاهرة بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لتأسيس الجمهورية التركية، بحضور نحو 1500 شخص، من بينهم مواطنون أتراك، والسفير إيهاب سليمان مدير مراسم وزارة الخارجية المصرية، والسفير عبد الرحمن موسى مستشار شيخ الأزهر، وعدد من كبار المسؤولين والشخصيات العامة المصرية، ورموز الإعلام والثقافة والفن ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب سفراء ودبلوماسيين من البعثات المعتمدة بالقاهرة.

وشهد الحفل عزف النشيدين الوطنيين التركي والمصري، كما قدمت فرقة موسيقية ضمت نخبة من أبرز عازفي الآلات الموسيقية في مصر مجموعة من المقطوعات التقليدية والكلاسيكية من الموسيقى التركية والمصرية.

وأعرب السفير صالح موطلو شن، في كلمته، عن سعادته بمشاركة أجواء الاحتفال بعيد الجمهورية التركية في مصر الصديقة والشقيقة، مؤكدًا أن الجمهورية التركية تأسست قبل 103 أعوام، بعد معاناة وخسائر الحرب العالمية الأولى، باعتبارها دولة الأمة التركية.

وأوضح أن تركيا اختارت الابتعاد عن الحروب والمغامرات، وسعت بحسن نية إلى إقامة السلام وعلاقات حسن الجوار، بما في ذلك علاقاتها مع اليونان والمملكة المتحدة وفرنسا، وتخلت عن ردود الفعل الإمبراطورية، ورفضت السعي وراء الأراضي أو الدخول في صراعات.

وأضاف أن الجمهورية لم تكن مجرد شكل من أشكال الحكم، بل مثلت نهجًا جديدًا يقوم على التعاون والتنمية والمساواة والاحترام المتبادل والتفاهم مع دول الجوار والمنطقة والعالم، في إطار من السلام والأمن والاستقرار، وهو ما يتجسد في المبدأ الأساسي للجمهورية التركية: «السلام في الوطن، السلام في العالم».

وشدد شن على أن السلام لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد غياب للحرب، بل نظامًا تستطيع فيه الأمم التعايش في ظل الاحترام المتبادل والمساواة السيادية والتعاون، والعمل المشترك من أجل التنمية والازدهار.

مواقف تركيا من الأزمات الإقليمية

وتطرق السفير التركي إلى التطورات الإقليمية والدولية، مؤكدًا معارضة بلاده استئناف الحرب ضد إيران، التي قال إنها هزت الاقتصاد العالمي، مشددًا على ضرورة معالجة المشكلات عبر التفاوض.

كما أدان الهجمات التي تستهدف دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية الشقيقة والحليفة، مؤكدًا أن تركيا تسعى في السودان، انطلاقًا من اعتبار الدولة ومؤسساتها أساسًا، إلى حل النزاعات عبر الحوار والتفاوض.

وفيما يتعلق بالصومال، أشار إلى دعم تركيا للدولة في مواجهة تنظيم الشباب الإرهابي ورفضها محاولات الانقسام والانفصال، فيما تدعم في ليبيا سلامة أراضي البلاد وتوحيد مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار.

وأضاف أن تركيا تعطي الأولوية لإعادة إعمار سوريا، وتعارض تجزئة البلاد، وترحب بالخطوات الرامية إلى التكامل الوطني والمصالحة، كما تدين الاعتداءات على أمن سوريا وسلامة أراضيها.

غزة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، قال شن إن تركيا، بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة وقطر، قدمت كل مساهمة ممكنة لدفع الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة، في إطار خطة ترامب للسلام، وإقناع حركة حماس بقبول خارطة الطريق.

وأضاف أن التطورات السياسية في إسرائيل بعد الانتخابات ستكشف ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستختار الحرب والعدوان أم السلام، مشيرًا إلى أن الأنشطة الاستيطانية غير الشرعية المتواصلة في الضفة الغربية، وعنف المستوطنين، والممارسات الهادفة إلى التهجير القسري للفلسطينيين، جعلت تنفيذ حل الدولتين شبه مستحيل، لافتًا إلى محاولات المستوطنين الاستيلاء على الخليل.

وأكد أن الحل العادل والدائم للقضية الفلسطينية وإقامة سلام حقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال إعمال حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مشددًا على ضرورة أن يعيش الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي جنبًا إلى جنب في سلام وأمن، في إطار دولتين منفصلتين.

وقال إن أمن الشعب الإسرائيلي لا يمكن ضمانه من خلال مذبحة الشعب الفلسطيني أو طرده من وطنه.

تحالف مكة والتعاون الإقليمي

وأكد السفير شن أن تركيا، على مدار 103 أعوام، دافعت عن مصالحها الوطنية، واعتبرت الإسهام في السلام الإقليمي والدولي أحد مسؤولياتها الأساسية، موضحًا أن السياسة الخارجية التركية، تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وإدارة وزير الخارجية هاكان فيدان، تقوم على مبدأ الملكية الإقليمية، من خلال ابتكار حلول مشتركة لمشكلات المنطقة بالتعاون مع دولها، على أساس المساواة والثقة والتضامن.

وأشار إلى أن هذا النهج طُبق بالتعاون مع مصر في غزة، كما تجسد في مجموعة «R-4» التي تضم تركيا ومصر وباكستان والمملكة العربية السعودية، موضحًا أن اجتماع المجموعة مع مجموعة «E-4»، التي تضم إيطاليا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، في إسطنبول مؤخرًا، عكس روح التعاون من أجل السلام.

وأضاف أن المبادرات الإقليمية التركية لا تمثل بديلًا عن الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي أو المكتسبات والعلاقات مع المنظمات الإقليمية، مثل مجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مؤكدًا رغبة بلاده في تطوير علاقات التعاون والتضامن مع الدول العربية.

ووصف جامعة الدول العربية بأنها شريك مهم لتركيا، وهنأ الأمين العام الجديد نبيل فهمي بتوليه منصبه، كما هنأ الأمين العام الجديد لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ، التي تعد تركيا عضوًا مؤسسًا فيها وتوليها أولوية خاصة.

وفي هذا السياق، قال إن مصر شريك طبيعي لتحالف مكة، وإن انضمامها الرسمي إليه قرار سيادي مصري، مؤكدًا ترحيب تركيا بمثل هذه المشاركة، ومشيرًا إلى أهميتها في إقامة التوازنات الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار.

وأوضح أن أكبر تهديد للأمن الإقليمي يتمثل في السعي إلى الهيمنة والتوسع من خلال الإفراط في الثقة بالنفس واكتساب القوة، بينما يسهم التوازن والردع في مواجهة هذه القوى ودفعها نحو ضبط النفس والسلوك البناء والتكامل.

9 مليارات دولار حجم التبادل التجاري المستهدف

وعلى صعيد العلاقات الثنائية، أكد السفير صالح موطلو شن أن الشراكة بين تركيا ومصر تستمد قوتها من التاريخ المشترك الممتد لنحو 1200 عام، ومن الروابط الثقافية وروابط القرابة بين الشعبين.

وأوضح أنه منذ عام 2022 جرى افتتاح ما لا يقل عن 50 منشأة إنتاج تركية جديدة في مصر، فيما توفر الشركات التركية فرص عمل لما لا يقل عن 100 ألف مصري، متوقعًا أن يسجل حجم التبادل التجاري بين البلدين رقمًا قياسيًا خلال العام الجاري ويقترب من 9 مليارات دولار.

وأشار إلى أن العلاقات العسكرية بين البلدين تشهد تقدمًا، إلى جانب وجود مشروعات في مجال الصناعات الدفاعية، معربًا عن ثقته في أن تشهد السنوات العشر المقبلة إنتاج صواريخ وسفن وطائرات وطائرات بدون طيار بصورة مشتركة بين تركيا ومصر.

وأكد شن أن عمق العلاقات بين البلدين لا يعني بالضرورة تطابق مواقفهما في جميع القضايا، موضحًا أن تركيا، وهي تدافع عن مصالحها الوطنية، تأخذ في الاعتبار أيضًا مصالح مصر، وأن المصالح الاستراتيجية والوطنية للبلدين تتقارب بصورة أصيلة، بما يعكس إدراكًا مشتركًا للمصالح العليا للدولتين.

وأضاف أن هذا النهج بعيد النظر، الذي لا تحكمه المواقف اليومية واللحظية، يمثل استثمارًا في مستقبل العلاقات بين البلدين، ومسؤولية تفرضها روابط التاريخ المشترك.

زيارة مرتقبة للرئيس السيسي إلى تركيا

وفي ختام كلمته، شدد السفير التركي على أهمية الإرادة السياسية التي أظهرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية.

وأشار إلى زيارة الرئيس أردوغان إلى القاهرة في فبراير الماضي، معربًا عن تطلع بلاده إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا خلال الفترة المقبلة، استجابة للدعوة القائمة من الرئيس أردوغان.

واختتم السفير صالح موطلو شن كلمته بالدعاء: «اللهم أعز الإسلام والمسلمين».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى