” بقعة حمراء” لعلياء الجريدي.. قراءة فنية في تحولات الواقع وتأثير الصورة

افتتح جاليري مصر بالزمالك، مساء أمس، معرض الفنانة التشكيلية علياء الجريدي، الذي يحمل عنوان “بقعة حمراء”، وسط حضور عدد من الفنانين والإعلاميين والشخصيات العامة، لمشاهدة أحدث تجاربها الفنية وما تطرحه من تساؤلات حول الصورة وتأثيرها في الوعي الجمعي.

 

وقال محمد طلعت، مؤسس جاليري مصر، إن علياء الجريدي تقدم من خلال المعرض رحلة بصرية تتتبع التحولات التي قد تطرأ على نظرتنا للأشياء، موضحًا أن البقعة الحمراء تبدأ بوصفها عنصرًا بسيطًا لا يثير الخوف، بل تفتح المجال لتأويلات مختلفة؛ فقد تبدو للبعض زهرة، بينما يراها آخرون شمسًا صغيرة تحمل البهجة.

 

وأضاف طلعت أن دلالة البقعة تتغير مع مرور الوقت، فمع اعتياد وجودها وتكرار ظهورها، تكتسب تدريجيًا مكانة تتجاوز شكلها الأول، لتصبح جزءًا من المشهد ومؤثرًا في طريقة إدراكه والتعامل معه. ومن هنا، ينتقل العمل من مجرد تكوين بصري إلى مساحة للتأمل في كيفية تشكل المعاني، وقدرة الصور على التأثير في تصوراتنا حتى تصبح جزءًا من وعينا وسلوكنا.

وأشار إلى أن المعرض يطرح مفارقة تتعلق بتوقيت اكتشاف الحقيقة؛ فقد لا يدرك الإنسان طبيعة ما يحيط به إلا بعد أن يفقد المسافة التي تسمح له برؤيته بوضوح، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل حول اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن مراقبة ما يراه، ليصبح جزءًا منه.

“بقعة حمراء” ترصد أزمات العالم وتتمسك بالأمل

 

من جانبها، أوضحت الفنانة التشكيلية علياء الجريدي أن معرضها ينطلق من متابعة الأحداث والنبض العام للواقع العالمي المعاصر، مشيرة إلى أنها تستعين بالخرائط والمدن بوصفها مفردات بصرية تعكس التحولات المتلاحقة وتستوعب دلالات الأخبار والأحداث الراهنة.

 

وأضافت أن عنوان المعرض يحيل إلى الأزمات التي تثقل الواقع الإنساني، ومن بينها الأحداث الجارية في غزة ومناطق أخرى من العالم، لافتة إلى أن التحدي الفني تمثل في التعبير عن هذه الوقائع القاسية من خلال أعمال تحتفظ بطابع مبهج، ولا تكتفي باستدعاء الألم، بل تتيح للمتلقي مساحة للتفاؤل والإيمان باستمرار الحياة.

النسيج والتطريز يمنحان أعمال الجريدي خصوصيتها

 

بدوره، أكد الفنان أشرف رضا أن علياء الجريدي تتميز بأسلوب تشكيلي خاص يعتمد على النسيج والتطريز والكولاج، وهي تقنيات تمنح أعمالها ملامح مميزة يمكن التعرف عليها بسهولة.

 

وأوضح أن المعرض يضم تصميمات قماشية معاصرة تتداخل فيها العناصر البارزة والغائرة، بما يضيف أبعادًا ملموسة إلى التكوينات الفنية. كما أشار إلى تكرار البقعة الحمراء بدرجات متوازنة داخل الأعمال، بما يستدعي التوقف أمام اللوحات والتأمل في تفاصيل الخطوط والمساحات والعلاقات بين الألوان.

تجربة تمزج عفوية التعبير بثراء النسيج والتطريز

 

أما الفنان صلاح المليجي، فأكد أن تجربة علياء الجريدي تستند إلى التلقائية والعفوية، معتبرًا أن هذا النهج يمنح أعمالها قدرة على التعبير عن معانٍ تتجاوز القوالب الأكاديمية التقليدية.

 

ولفت إلى تنوع التقنيات التي توظفها الفنانة، بين النسيج والتطريز والعناصر البارزة والغائرة والمضيئة، إلى جانب استخدامها نطاقًا واسعًا من الألوان، بما يمنح أعمالها ثراءً بصريًا وتنوعًا في المعالجة والتكوين.

 

ووصف المليجي بعض تكوينات المعرض بأنها تشبه الخلايا النباتية تحت المجهر، لما تتضمنه من أشكال هندسية وعضوية متداخلة، وتباينات بين الخلفيات والأجزاء المقطوعة من الأقمشة الملونة. كما ربط بين تكرار اللون الأحمر واتجاهات النسيج وبين إيقاع روحي يشبه التسبيح والذكر، في إشارة إلى ما تحمله التجربة من تأمل في الجمال والعناية بتفاصيل العمل الفني.

 

واستعاد المليجي متابعته لمسيرة الجريدي منذ مشاركتها في صالون الشباب عام 1993، مشيرًا إلى التطور الذي شهدته تجربتها الفنية وتنوع أدواتها، وصولًا إلى أعمال تتسم بالعمق والثراء وتدعو المشاهد إلى التوقف أمامها لفترات طويلة.

المعرض يجمع بين قسوة الواقع وبهجة الفن

 

وأشادت الفنانة رانيا أبو العزم بتجربة علياء الجريدي، مؤكدة اعتزازها بالتجربة الفنية التي تجمعهما، وما لمسته من تفانٍ وشغف لدى الجريدي في تطوير أعمالها، خاصة خلال مشاركتهما السابقة في السيمبوزيوم الضوئي.

 

وأوضحت أن المعرض يكشف عن قدرة الفنانة على تناول القضايا الإنسانية الكبرى، ومنها الأحداث المرتبطة بفلسطين، بلغة بصرية تجمع بين ثقل الموضوع وجاذبية التكوين. كما لفتت إلى تنوع التكوينات والدرجات اللونية، ودور البقع الحمراء في توجيه عين المشاهد داخل اللوحات، بما يدفعه إلى التأمل وإعادة اكتشاف تفاصيلها.

 

ومن جانبها، رأت الفنانة ريم أسامة أن المعرض يقدم تجربة تشكيلية معاصرة تمزج بين التجريد والاستفادة من تقاليد الحرف اليدوية المصرية القديمة، خاصة الخياطة والتطريز، وتعيد تقديمها ضمن رؤية فنية حديثة.

 

وأشارت إلى أن توزيع المساحات واختيار الدرجات اللونية يعكسان وعيًا بتكوين اللوحة والعلاقة بين عناصرها، مضيفة أن الإيقاع الناتج عن التكرار يمنح الأعمال حالة من التناغم والتأمل، ويقود المتلقي إلى تجربة بصرية تتجاوز المشاهدة العابرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى