حلمي فاروق يكتب : ويسألونك عن السفير عبدالقادر عبدالله !

عند محطات الحياة المتفرقة والتجارب المتعددة يستوقفك الإستثنائي منها والمميز فيها ، وربما ذاك الذي يشكل علامة فارقة في حياتك .
وفي مرحلة عمرية ما ونحن نتحسس أبواب المعرفة المتخصصة كنّا نسأل عن كثير ونستفسر ..!! فكان من ضمن ما استهواني حينها وسألت : وأنا أسمع وأشاهد أن : ما السفير وما مهمته ..!! وما السفارات تلك وما طبيعة خدماتها !! وكيف السبيل للوصول إليها والإستفادة منها !!
كانت تأتينا الإجابات متباينة !! وغالبها تلك المُرسِخةً والمٌثبِّتةً لحقيقة أنّ السفير ليس هو ذاك الممثل للبلاد إبتعاثاً فحسب !! لكنّه ذاك الدبلوماسي المُحصّن والمحاط بسياج لا تفتح أبوابه إلا قليلاً لتتاح الفرصة لمختارين بعينهم لمقابلته ومجالسته ومعاملته !!
بل إنسحب المفهوم إلى أن السفارة ذاتها هي تلك الدار العصيّة الولوج والوصول . وأن المعاملات تجري فيها من خلال نظام يحتاج لدراية وتحضير مسبق وربما وسطاء يناسبون درجات ذاك المستوى العالية أسواره والموصدة أبوابه إلا بقدر …!!
السفير عبدالقادر عبدالله القنصل السوداني لدى أسوان ، مثال متفرد ونموذج مختلف . كتبت لنا الأقدار العمل والتعاون معه وتحت مظلة إدارته وقيادته لقنصلية جمهورية السودان بأسوان ومحافظات جنوب مصر .
خريج جامعة الخرطوم وابن الخارجية هذا ، وأحد قيادييها والمتنقل في محطات متعددة ابتعث إليها ليمثل السودان وليمد جسوراً من التواصل بين بلده وبين تلك البلدان نموذج يحتذى ، وأثر يقتفى ، وخلق يقتدى ، تواضع جم ، وإتقان وإجادة ، وجهد لم ينقطع ، وتجربة تستحق التعميم والإشارة إليها .. إذ أن لتجربة سنين بعثته في جنوب مصر وأسوان تقييم مختلف وتقدير خاص ..!! ذاك أن التوقيت والظروف التي حملت قيادة البلاد لتكليف الرجل كانت إستثنائية وخاصة .. تزامنت ودخول البلاد في بدايات (حرب الكرامة) المصيرية وتبعات تلك الحرب وتأثيراتها .. لاسيما مصر التي شهدت لجوءً وتوافداً للأعداد الأكبر من مواطني البلاد .
السفير عبدالقادر كان إدارياً محترفاً وهو يدير ذاك الطارئ باقتدار وحكمة وجدارة . يرتب محدودية الموجود لديه والمتاح ويعيد تنظيم الصفوف ويصنع من طاقم قنصليته خلية نحل دائمة العمل والحركة والإجادة ، يخطط ليصنع مبادراته ويتبنّى الأفكار النوعية وهو الذي لا يكل ولا يتعب ..!! فيسارع الخطى ، ويسابق الأحداث ، ويوازن بين كل المطلوبات والمهام الخدمية والدبلوماسية . فكان وطاقم عمله بمثابة المنقذ والمسعف لأحداث إستثنائية هوّنت على أبناء جاليته من السودانين أهوال ما وجدوا وأصابهم ولاقاهم خلال تلك الفترة .
السفير عبدالقادر صنع من طاقم قنصليته نموذج متقدم ومنسجم ومتقن للعمل . بل صنع من تلك القنصلية (بيتاً) لكل السودانيين يجدون فيه حلحلةً لمشكلاتهم وخارطةً لمعرفتهم ودليلاً لخطواتهم وجسراً يصلهم بين مصر والسودان .
للرجل عطاءه الطويل والحكيم في صنع (أسرة كبيرة ) جمعت كل أبناء الجالية السودانية في أسوان ومحافظات جنوب مصر ، تمثلت الأسرة وتجسدت في معنى العمل الجماعي والمتناغم والحراك الدائم والتواصل المستمر والقوي والنوعي . فكان العمل الطوعي وكانت قصص الإسناد والمساعدة وملاحم لا أقل من وصفها بالوطنية التي لاتنتهي . وحتماً ستوثق لنا التجربة ويظل الكل يحكي عن قصص التوافد الأول لأعداد السودانيين الواصلين لمصر وكيف كان جهد إسنادهم ومساعدتهم وطمأنتهم ،
ولزاماً يأتي ذكر دور السفير في تفعيل (فكره) الدبلوماسي وهو يمد هذه القناة الواصلة بين مصر والسودان ويضع لبنة قوية أخرى في متانته العلاقة الممتدة تاريخياً ومستقبلياً ، وها هي مبادرة الأشقاء المصرية السودانية لدعم وإسناد الأسر السودانية تقف شاهدة على جودة أفكاره وصنيعه هو وأفراد طاقمه ونفر كريم من أهل الصعيد في مصر من محبي السودان مثل النائب البرلماني المصري ياسين عبدالصبور وآخرين يقدّمون هذا النموذج المتفرّد والناجح للعلاقة بين البلدين .
لقد أتعبت السفراء من بعدك ياعبدالقادر ..!!
. يحدث عنك ملف التعليم وجودة التعليم في أسوان وصعيد مصر .
. يحدث عنك ملف الجالية وحرصك على قيامها وتنظيمها وترتيبها وتفعيل عملها والإشراف على إتقانها الأداء في عملها .
. ويحدث عنك هذا الحراك الذي أوجدته وسط أبناء الجالية من السودانيين فكانوا أن تنادوا طواعية يساعدون بعضهم ويقدمون أفكارهم وجهدهم وهم يبذلون في تناغم وتراص كأسرة واحدة دون انتظارهم لمقابل وكفاهم إلهامك لهم وتقدمك العمل والبذل والعطاء .
. تحدث عنك ملاحم الإيواء والدعم والإسناد وعلانية وسرية العطاء .
. تحدث عنك جموع القاصدين للقنصلية ولهذه السلاسة واليسر والسرعة والإتقان في تقديم الخدمات .
. تحدث عنك مبادرة الأشقاء وهذا السيل الممتد من العمل الطوعي المتقدم والغير منقطع .
. تحدث عنك ملاحم رعاية الطلاب في مراحلهم التعليمية المختلفة وتزليل عقباتهم وتكريمهم وتحفيزهم .
. تحدث عنك ملاحم العودة الطوعية ونموذج أسوان المتفرد في الترتيب والتنظيم والإسهام في هذا العمل الوطني الكبير .
. تحدث عنك دبلوماسيتك الرفيعة في تقديم نموذج واقعي للتكامل بين مصر والسودان لاسيما في صعيدها الذي عشق وجودك وأحزنه ذهابك وعزاؤه في ماتركت من أساس وفعل .
. يحدث عنك تفعيلك للنشاط الثقافي وإحياؤك للمناسبات الوطنية وللإحتفاء بها ولنقل الروح المعايشة في السودان إلى أبنائه في أسوان ولأهل الصعيد من المصريين ، محدثاً عن الملاحم الوطنية وعن معركة الكرامة الكبرى ومسانداً ملازماً وداعماً لمواقف جيش البلاد ولصمود أهلها .
. تحدث عنك متابعاتك لكل الملفات التي بدأتها وما أسعفك الزمان للوقوف على نهاياتها وأنت توصي وتحرص على بلوغ الأعمال مراميها .. وأنت تبدأ التوثيق لتاريخ القنصلية وللجالية ولهذا التاريخ الممتد من العطاء بين أبناء البلدين .
. تحدث عنك هذه الشهادات المرسلة من الجميع وهم يقدمونها بصدق وتجرد من أبناء الجالية في اسوان وصعيد مصر ومن أهل مصر ومؤسساتها .
مرحباً بك أيها الوطني الغيور في وطنك الذي يسع قدر عطائك ويحتاج لجزيل جهدك ونصاعة أفكارك وقوة عزيمتك .
مرحباً بك وأنت مشبع بتجربة ناصعة متميزة ومتفردة .
مرحباً بك في السودان وأنت تعود مع جموع العائدين للوطن الحبيب حيث تستمر الإنتصارات وتتحقق وينتظم الإعمار والبناء ويتسابق الكل ويتنافسون وفاءً لهذه البلاد وترابها وأهلها . مرحباً بك وقد مثلتنا خير تمثيل وكنت جندياً منضبطاً حملت هم كرامة البلاد وأهلها وصدق قضيتها .
أما أسوان سعادة السفير ففي حدقات العيون بكل ماتحوي ومن تضم ، فهي وقربها من القلب على مرمى حجر ومد بصر ..!! لا ينقطع الوصل بها ومع أهلها . وستظل وصل ممتد ، وتاريخ مشترك ، ومحبة قائمة ، وعمل لاينقطع .
ثم التحية عبرك للقادم يحمل ذات الهم من بعدك ونرجوه أن يواصل ذات السعي والعطاء والبذل سعادة السفير أسامة حسن سلمان .



