البروفيسور عوض سليمية يكتب: على منبر الأمم المتحدة…الدبلوماسية المصرية بين الهدوء، والتشاركية، والحزم في الخطوط الحمراء “فلسطين في قلب الخطاب المصري”
نائب مدير عام معهد فلسطين لأبحاث الامن القومي
بذكاء معهود، التقطت مصر عنوان الدورة الــ 81 للقمة العالمية “استعادة الثقة، وإدارة التحول” وحولته من شعار اممي الى مدخل لتشخيص ازمة أعمق تعصف ببنية النظام الدولي برمته. وقد جاء الخطاب المصري على منصة الامم المتحدة في دورتها الجديدة في لحظة دولية شديدة الغموض، غابت فيها الثقة بدور واهمية المؤسسات الدولية، واتسعت الفجوة بين قواعد القانون الدولي وبين قدرة المجتمع الدولي على إنفاذها.
في الوقت الذي تشتد فيه المنافسة بين القوى الكبرى؛ تتعرض منطقتنا العربية لسلسلة غير منتهية من الحروب والأزمات.
على هذا النحو، شكل الخطاب المصري على المنصة الاممية علامة فارقة في تشخيص الاختلالات في النظام الدولي نفسه؛ وما يترتب عليها من تبديد لمصالح الدول الصغرى والنامية.
خطاب الدكتور مدبولي رئيس الوزراء المصري على المنصة الدولية يمكن اعتباره نموذجاً “للمدرسة الدبلوماسية الناعمة ذات الخطوط الحمراء الصلبة”. خطاباً هادئاً، قانونياً وتفاوضياً… لكنه اظهر الحزم حيثما تطلب الامر ذلك. في هذا الخطاب، قدمت مصر رؤية متكاملة لإعادة تعريف العلاقة بين النظام الدولي والامن الاقليمي ومصالح دول الجنوب العالمي، الى جانب قضايا التنمية المستدامة.
وكانت فلسطين كالعادة حاضرةً في قلب هذا الخطاب؛ ووثق رئيس الوزراء قضية فلسطين بإعتبارها “الاختبار الابرز للخلل في المنظومة الدولية”.
الازمة في تطبيق القواعد لا في القواعد نفسها
“أزمتنا ليست في غياب المواثيق والمبادئ، بقدر ما هي في اتساع الفجوة بين ما نُعلنه وما نُطبقه، وبين من يتخذ القرار ومن يتأثر به.”
بهذه الكلمات شخصت مصر أزمة النظام الدولي؛ ليس بإعتبارها دولة عربية فحسب؛ بل دولة تنتمي في الوقت نفسه إلى النظام الأفريقي والمتوسطي وإلى ما بات يعرف بدول الجنوب العالمي الخارجة من حسابات الدول الكبرى. مصر لا تقول إن النظام الدولي فقد قواعده او مبادئه التي اسس عليها ومن اجلها، بل تقول بوضوح إن المشكلة أصبحت في المسافة بين الاقوال والافعال، الى جانب غياب العدالة في التمثيل. وهذا فارق كبير؛ فهي لا تدعو إلى هدم النظام الدولي متعدد الأطراف او الاقطاب ولا باستبداله بنظام دولي جديد، بل تدعو بوضوح الى ضرورة استعادة فاعليته من خلال إصلاح الاختلالات وردم الفجوة بين القاعدة والممارسة الفعلية على الارض. وهذا لا يكون الا من خلال “العدالة في التمثيل وصنع القرار، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية والتحول” وهي المستويات الثلاث التي اشارت اليها مصر امام التجمع العالمي في نيويورك.
هنا، تظهر رؤية القيادة المصرية التي تتجاوز الإصلاح الشكلي لمنظومة الأمم المتحدة إلى إعادة التدقيق في علاقة القوة بالشرعية داخل النظام الدولي ككل. بعبارة اخرى، ترسل مصر رسالة الى بريد العالم؛ جوهرها؛ ان تعدد الاطراف او الاقطاب او مراكز القوة في النظام الدولي ليست المشكلة، بل التعددية الشكلية التي تتجاوز مصالح الاخرين لم تعد مقبولة. والمطلوب، وفقاً للرؤية المصرية، تعددية فاعلة قادرة على احراز وتقديم نتائج تخدم مصالح الجميع، لا مجرد منصة سنوية لإعادة تذكيرنا بالمبادئ والمقاصد التي أنشئت من اجلها الامم المتحدة ومنظماتها. “الشرعية تكتسب معناها حين تتحول إلى نتائج، والمؤسسات تستعيد الثقة حين تنصف من تخدمهم”.
عند هذه النقطة، يحدد مدبولي معياراً عملياً لقياس الشرعية الدولية؛ لا يعتمد على عدد القرارات الصادرة، وانما على قدرة المؤسسات الدولية على تحويل الاقوال الى افعال وسياسات على الارض. وهنا تبرز نقطة محوريه في الخطاب تربط شرعية القاعدة بعدالة التمثيل. فإذا كانت الدول مطالبة باحترام قرارات النظام الدولي، فلا بد ان يكون هذا النظام قادراً على تمثيل مصالح هذه الدولة بشكل عادل.
فلسطين: اختبار لمصداقية النظام الدولي
الخطاب المصري الذي بدأ بتشخيص أزمة النظام الدولي، استحضر قضية فلسطين فوراً باعتبارها الاختبار الأكثر وضوحاً للازمة التي تضرب عصب هذا النظام. وكانت نقطة التحول في الخطاب ان القضية الفلسطينية ليست نتيجة لفشل او غياب جهود السلام؛ بل أحد أسباب أزمة النظام الدولي عندما يفشل في إنفاذ قواعده وقراراته. يقول مدبولي: “إذا كانت العدالة في تطبيق القواعد هي الاختبار الحقيقي لمصداقية النظام الدولي، فإن القضية الفلسطينية تظل الشاهد الأبرز على الخلل القائم”.
هذا التوظيف المصري الذكي في ربط العجز الدولي باستمرار مأساة الفلسطينيين؛ اخرج القضية الفلسطينية من إطارها التقليدي باعتبارها نزاعاً إقليمياً ممتداً، ليضعها في قلب إطار أوسع يتعلق بمدى مصداقية النظام الدولي واتساقه مع القواعد التي صاغها بنفسه. فإذا كانت الأمم المتحدة تقوم على مبادئ حفظ الامن والاستقرار الدوليين، وسيادة القانون واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، واحترام القانون الدولي والانساني وحماية المدنيين في اوقات الحروب ومنع التهجير وتسوية النزاعات بالطرق السلمية…؛ فإن استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل ودائم وشامل؛ يصبح، في المنطق الذي يطرحه الخطاب، اختباراً لمصداقية المنظومة الدولية كلها، وليس لفلسطين وحدها.
ولهذا ترفض مصر أن تتحول الابادة التي تتعرض لها دولة فلسطين إلى حالة طبيعية يعتاد العالم على رؤيتها دون تحريك ساكن، او في سياق الممكن اصدار بيانات شجب واستنكار. “…لا يجوز أن يتحول إلى واقع مألوف، أو إلى أزمة ممتدة تُدار من جولة إلى أخرى”.
ضمن هذا السياق، ينتقل الخطاب الى نقطة مفصلية في فهم الصراع، مركزها وجوب التمييز بين إدارة الأزمة وحل الأزمة. فإدارة الأزمات ربما تنتج هدوءاً مؤقتاً، أو وقفاً متقطعاً لإطلاق النار، وربما تدفقات للمساعدات الإنسانية، وبعض من صور الاعمار او الاغاثة…؛ لكنها في النهاية لا تعالج الأسباب البنيوية لجذور الصراع؛ ولن تقدم حلاً مستداماً قادراً على الصمود مع مرور الوقت. ولهذا؛ تؤكد القاهرة بوضوح أن “إدارة الأزمات بدلاً من حلها لن تصنع استقراراً، وإنما تؤجل الانفجار وتضاعف كلفته”… وأن “كل تصور انه بالإمكان تحقيق استقرار في المنطقة في ظل تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني واستمرار سياسة إدارة الاحتلال بدلا من انهاؤه هو محض وهم وخيال”.
هذه الرؤية ليست مقتصرة على الواقع القائم في فلسطين فحسب، بل يمكن اعتبارها استراتيجية مصرية للأمن الإقليمي والعالمي، تقوم على مبدأ “الحلول التي لا تعالج أسباب الصراع من جذوره لن تنتج استقراراً ولا امناً ولا تنمية مستدامة”. في سياق متصل، لم تتعامل القاهرة مع مأساة قطاع غزة باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن المسار السياسي الفلسطيني. فالخطاب أرسى اساساً صلباً لسلسلة مترابطة تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار والالتزام به، وقف الانتهاكات، استكمال الانسحاب، تأمين المساعدات، تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ثم الانتقال إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولاً إلى مسار سياسي يفضي الى دولة فلسطينية مستقلة. وفقاً لرؤية ترامب وإعلان شرم الشيخ وقرار مجلس الامن 2803. وهنا تكمن إحدى الرسائل الأكثر دلالة في الخطاب: من وجهة نظر القيادة المصرية، فإن إعادة الإعمار ليست بديلاً عن المسار السياسي، واللجنة الوطنية لإدارة غزة ليست بديلاً عن عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومجلس السلام ليس بديلاً عن الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذه نقطة مركزية في رؤية مصر لمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وتُبرز أهمية فلسطين في معادلة الامن القومي المصري؛ فالقاهرة لا تقدم نفسها كطرف محايد في ترتيبات إعلان ترامب، بل طرف منحاز بشكل كامل للحق الفلسطيني ويلعب دوراً محورياً في ترتيبات اليوم التالي، وصولاً الى دولة فلسطين المستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هنا، استخدم رئيس الوزراء لغة قانونية وسياسية هادئة، لكنه كان قاطعاً في رفض التهجير والضم والاستيطان وعنف المستوطنين. “السلام لا يمكن أن يُبنى على اقتلاع شعب من ارضه”، فمخططات التهجير الجماعي للفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية او من الضفة الغربية والقدس الى الاردن، لا يمكن قبولها تحت أي ظرف. بالنسبة للقاهرة هذه ليست قضية إنسانية أو سياسية فقط، بل قضية تمس بصورة مباشرة بنية الأمن القومي المصري والعربي، عند هذه النقطة تُظهر مصر حدود خطوطها الحمراء.
فالقاهرة قد تتفاوض حول آليات وقف إطلاق النار، وإدارة غزة، وإعادة الإعمار، وترتيبات المرحلة الانتقالية، لكنها تضع حدوداً واضحة عندما يتعلق الأمر بالتهجير أو الضم أو تصفية القضية الفلسطينية. وتشدد على ان الدولة الفلسطينية حق وليست ورقة تفاوضية “التعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها غير قابلة للتصرف، لا أوراقاً تفاوضية تُمنح أو تُسحب وفقاً لموازين القوة أو المزايدات السياسية والحسابات الانتخابية”. هذه الجملة تلخص الموقف المصري والرؤية المصرية من حل الدولتين. فهي تميز بين التفاوض على تنفيذ الحقوق والتفاوض على وجود الحقوق نفسها.
في عالم تتفاقم فيه مساحة الازمات والحروب وحالة الاستقطاب على الساحة الدولية؛ وتتسع فيه الفجوة بين القواعد والمصالح والتنفيذ، تبقى قدرة مصر على التوفيق بين كل الاختلالات أحد أبرز مقومات قوتها الإقليمية الفاعلة. ويتعزز هذا الاستنتاج من خلال الرؤية المصرية في الساحة الدولية التي أظهرت فيها دبلوماسية تعرف متى تستخدم لغة القانون، ومتى تبدأ بالتفاوض، ومتى تحدد خطوطها الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.



