المستشار محمد سيد أحمد يكبت: عدّة المطلقة بين أحكام الشرع وضوابط القانون: متى تبدأ؟ ومتى يحق لها الزواج؟

تطرح الواقعة العملياتُ المسلكية في قضايا الأحوال الشخصية إشكاليات جادة تمس حياة الأسرة واستقرارها، ومن أبرز هذه المسائل التساؤل المتكرر: إذا طَلَّق الزوج زوجته شفهيًّا قبل أن يصدر في دعوى الطلاق حكمٌ قضائي، فمتى تبدأ عدّة المرأة شرعًا؟ وهل يسوغ لها شرعًا وقانونًا أن تعقد قرانها من جديد إذا انقضت عدتها قبل صدور الحكم النهائي؟

جليٌّ في الفقه الإسلامي واستقرار الفتاوى الصادرة عن الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أن العدة تبدأ من لحظة إيقاع الطلاق الشفهي الصحيح؛ أي من تاريخ تلفظ الزوج باللفظ المنجز الدال عليه، متى كان العقد صحيحًا واستوفى الطلاق شروطه وأركانه. فالحكم القضائي في هذه الحالة لا يُنشئ الطلاق من العدم، وإنما يأتي كاشفًا ومُثبتًا لواقعة حدثت بالفعل، ومُرتبًا لآثارها القانونية والمالية.

وقد استقرت الفتاوى الرسمية على أن عدّة المطلقة تنقضي شرعًا برؤية الحيض ثلاث مرات كوامل لمن كانت من ذوات الحيض، أو بمضي ثلاثة أشهر لغيرها كالصغيرة والمئوس من محيضها، أو بوضع الحمل إن كانت حاملاً. أما في الأحوال التي يكون الطلاق فيها صادرًا بحكم محكمة غيابي، فلا تُحسب العدة إلا بعد صيرورة الحكم نهائيًا بفوات مواعيد المعارضة والاستئناف، أو صدور حكم استئنافي بتأييده؛ إذ لا يُصبح الطلاق نافذًا ومُرتبًا لآثاره إلا بتوافر صفة النهائيّة.

ورغم هذا الوضوح الشرعي في بدء احتساب العدة من تاريخ النطق بالطلاق، إلا أن الواقع القانوني يفرض محذورًا عمليًا لا يجوز إغفاله. فالجانب الشرعي المتصل بالحل والحرمة يرتبط بتاريخ الواقعة الفعلية، غير أن الشق الإجرائي والتنظيمي يقتضي مراعاة النظام العام وسجلات الدولة الرسمية؛ منعًا لاختلاط الأنساب وتفاديًا للنزاعات القضائية الجسيمة.

وعليه، يُستوجَب قانونًا وأخلاقًا ألا تُقدم المرأة على الزواج الجديد بمجرد انتهاء عدتها الحسابية شرعًا، بل يجب عليها الانتظار حتى تُستكمل كافة الإجراءات القانونية، ويصدر الحكم النهائي المُوثّق للطلاق، وتستخرج الوثيقة الرسمية المثبتة لانتهاء العلاقة الزوجية بشكل قاطع. فالموازنة بين الأحكام الشرعية والضوابط القانونية هي الضمانة الوحيدة لحفظ الحقوق، وإبراء الذمة، وصيانة الأعراض أمام الجهات المختصة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى