سيد درويش.. الرجل الذي علّم مصر كيف تُغنّي بصوتها

كتب/ محمد مطر

هناك فرق بين من يُغنّي للناس، ومن يجعل الناس يكتشفون أن لهم صوتًا، الأول مؤدٍّ، مهما بلغت براعته، يظل واقفًا على منصة، والجمهور تحته يُصفّق، أما الثاني فلا يقف على شيء، لأنه لا يغنّي “لهم”، بل يغنّي “منهم”، فيذوب في الزحام حتى يخرج صوته وكأنه صوت الزحام نفسه، لا صوتًا يعلوه، وسيد درويش، الذي لم يمهله العمر إلا واحدًا وثلاثين عامًا، كان من هذا الصنف النادر: لم يُغنِّ لمصر، بل جعل مصر تكتشف أن في حنجرتها لحنًا كانت تحمله منذ زمن، ولم تكن تعرف كيف تُخرجه.

وُلد في كوم الدكة بالإسكندرية، في بيت بحّار فقير، وتلك التفصيلة ليست عابرة كما تبدو في السِّيَر المختصرة، فالبحّار رجل يعيش على إيقاع لا يملكه: إيقاع الموج الذي لا يستأذن، والريح التي لا تُصالح أحدًا، وربما كان في أذن سيد درويش، منذ الطفولة، صدى ذلك الإيقاع غير المروَّض، الذي لم يكن الموشح التقليدي ولا القالب الكلاسيكي القادر على احتوائه، فحين كبر، لم يكتفِ بأن يتعلم الموسيقى؛ بل أعاد صياغتها لتشبه الشارع الذي نشأ فيه: صوت الباعة، وأنين السقايين، وضحكات النساء في الأفران، وصخب “الحلوة دي” وهي تعجن في الفجرية، لم يكن هذا تنازلاً فنيًا من “عالٍ” إلى “شعبي”، كما تروي بعض الكتابات السطحية، بل كان اكتشافًا: أن في كلام الناس العاديين موسيقى لم يجرؤ أحد قبله على الإصغاء إليها بجدّية.
ولعل هذا هو سرّ الفارق الحقيقي بينه وبين من سبقوه: أنه لم يكن ملحّنًا يبحث عن كلمات تليق بلحنه، بل كان يُصغي أولًا، وكأن الأذن عنده أسبق من اليد، سافر إلى الشام مرتين، والتقى بأقطاب الموسيقى هناك، وتعلّم النوتة والعود على يد الشيخ عثمان الموصلي، لكنه عاد من تلك الرحلات لا ليقلّد ما سمع، بل ليتحرر منه أكثر، فالفنان الحقيقي لا يذهب إلى الآخرين ليأخذ عنهم شكلهم، بل ليتأكد من شكله هو، بالمقارنة.

ثم جاءت لحظة لم يخترها أحد، لكنها اختارته: ثورة 1919، وهنا ينكشف الوجه الآخر لعبقرية سيد درويش، إذ لم يكتفِ بأن يكون فنانًا يعيش في زمن الثورة، بل صار من الذين صنعوا للثورة صوتها الذي لا يزال يُردَّد، اثنا عشر نشيدًا خرجت من تحت يده في تلك المرحلة، منها ما لا يزال أطفال المدارس يحفظونه دون أن يعرفوا أنهم يحفظون شهادة ميلاد لوطن، “قوم يا مصري”، “اليوم يومك يا جنود”، تلك ليست أغاني بالمعنى الفني الضيق؛ إنها وثائق صوتية لحظة كانت فيها الحناجر أعجز من أن تصرخ وحدها، فأعطاها سيد درويش لحنًا يصرخ بدلاً منها.

وحين تحوّل إلى المسرح الغنائي، مع فرقة نجيب الريحاني وغيرها، لم يكن يكتب موسيقى تصويرية بالمعنى الحديث، بل كان يُدخل الشخصية نفسها في اللحن: فالسقّاء يغنّي كسقّاء، والفلاح يغنّي كفلاح، وهذا ما جعله، بحق، أبا المسرح الغنائي المصري، لأنه فهم قبل غيره أن اللحن ليس زخرفة تُضاف إلى الكلمة، بل هو الكلمة وهي تكشف عن طبقتها الاجتماعية وصدق موقفها.

ثم رحل، فجأة، في التاسع من سبتمبر 1923، في ظروف ظلت غامضة حتى اليوم، وهو يستعد لاستقبال سعد زغلول العائد من المنفى، وقد ترك خلفه الفصل الأول من أول أوبرا مصرية لم يكتمل باقيها أبدًا: “كليوباترا ومارك أنطونيو”. وفي هذا الرحيل المبكر ما يشبه القسوة الشعرية: أن الرجل الذي منح مصر صوتها الكامل، لم يُمهله القدر ليكمل عمله هو، وكأن الأقدار أرادت أن تترك بصمته ناقصة، لتظل الأجيال تُكمل عنه، كل جيل بطريقته، ما بدأه ولم يُتمّه.

بعد قرن وأكثر من رحيله، لا تزال ألحانه تُغنّى، لا كتراث يُحفَظ في متحف، بل كأداء حيّ يتجدد مع كل صوت يعيد أداءه، وهذه، في تقديري، هي الشهادة الحقيقية على عبقريته: أن الفنان الذي يصنع “أسلوبًا” يموت بموته، أما الذي يكتشف “صوتًا” كان موجودًا في الناس أصلًا، فذلك يبقى، لأن الناس أنفسهم لا يموتون، والصوت الذي أعارهم إياه سيد درويش لا يزال، حتى الآن، هو صوتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى