عش العصفورة “قصة قصيرة” بقلم: طارق سليم عبدالعزيز

اقترب موعد البيض
اقترب موعد البيض، وأخذتها الحيرة؛ فهي تقضي يومها في السعي على رزقها في الحقول وحواف الترع وفوق أسطح المنازل، لتعود عند غروب الشمس، فتقضي ليلها ساكنة فوق أغصان الأشجار. فهي بلا بيت، لكن مع اقتراب البيض فالأمر جدّ يختلف.
وأخذها الفكر في كيفية بناء عش لها ولصغارها بعد الفقس، وكان عليها أن تحدد مكان العش أولًا. فكرت في أعلى شجر الكافور أو الصفصاف أو التوت والجميز، لكنها تيقنت أن العش على أغصان هذه الأشجار لن يكون آمنًا؛ ففيها نفع للإنسان، سواء بالقطع والنفع بالأخشاب، أو تسلق الصغار للحصول على ثمر الأشجار.
وبعد طول فكر، أرشدها عقلها الصغير إلى أعلى شجرة سنط؛ حيث الأمان. فالسنط لا يطرح إلا الشوك وبعض الزهور الصفراء المستديرة في حجم عقلة الإصبع، كما أن خشب السنط لا قيمة له، وأكثر ما تجود به شجرة السنط هو الصمغ الذي يستخدمه الأطفال في مدارسهم، وهو يوجد بكثرة فقط على جذع الشجرة.
واتخذت قرارها ببناء العش أعلى شجرة السنط، وأخذت تجوب الحقول وأسْطح المنازل بحثًا عن أعواد قش الأرز، فهي لينة ويسير تشكيلها، عكس أعواد القمح التي تتكسر ولا تنثني. وبدأت في جمع الأعواد في منقارها، وأحيانًا أرجلها، وبدأت البناء، ليستغرق من الوقت ما يزيد عن الأسبوع. استطاعت خلال هذه الأيام بناء عش أسطواني الشكل.
وما إن اطمأنت للبناء وموقعه حتى بدأت المرحلة الأخيرة، وهي تبطين العش من الداخل بريش الأرز والبط والدجاج، هذا الريش اللين الناعم الكائن تحت الأجنحة. واستطاعت في ثلاثة أيام أن تبطن العش من الداخل بعد جمعه من حواف الترع وأسْطح البيوت.
وبهذا يكون قد اكتمل العش، وأصبح الريش الناعم حاجزًا لماء الندى والمطر، ومريح الملمس. واستقرت العصفورة فرحة في عشها حتى حانت لحظة البيض، لتضع أربع بيضات.
واستكانت العصفورة بعدها في العش محتضنة بيضها، ولا تسعى خارج العش إلا للضرورة القصوى من أجل الماء والغذاء. وطال احتضان البيض قرابة الأسبوعين ليتم فقس البيض، وخرج الصغار بأجسامهم الحمراء حريرية الملمس، وأفواه صغيرة مفتوحة، لها زوايا ملونة بالأصفر.
وكانت سعادتها غامرة بفقس كل البيض، وبدأت في طرد قشر البيض خارج العش بجناحيها. وما إن اطمأنت بصوصوة الصغار حتى بدأت رحلتها الشاقة في الحقول وفوق أسطح البيوت لتحصل على الطعام والماء لصغارها.
تخرج في الصباح وتعود في الظهيرة، فتسترجع طعامها وتخرجه في مناقير صغارها المفتوحة في لهاث، وتعاود الكرة مرة أخرى في السعي والإطعام عند غروب الشمس.
ومرت أيامها على هذا النهج، وكلما رأت ريشًا دقيقًا أبيض مائلًا للصفرة يكسو أجساد صغارها، كانت تسعد وتضرب هواء العش بجناحيها، تعبيرًا عن سعادتها الغامرة بأسرتها. وسارت الأمور في ثبات واطمئنان لغد سيعتمد فيه الصغار على أنفسهم، وتستريح بعدها في عشها الآمن أعلى شجرة السنط.
ولكن في ظهيرة أحد الأيام حدث لها ولصغارها حادث جلل، لم يومض في مخيلتها من قبل.
فقد اهتز العش بعنف وهي تطعم صغارها، فانتفضت فزعة وضربت الهواء بجناحيها لتخرج من العش تستطلع الأمر، فلربما كانت ريح عاتية. لكن الهواء ساكن، وأخذت في الدوران حول نفسها والقفز بين الأشواك، وأدارت عينيها في المكان من كافة الجهات، لتلمح سبب زلزال عشها.
صبي صغير ممسكًا ببوصتين، إحداهما معقودة برباط في الأخرى، وعاود الصبي محاولته في لف البوصة في طرف العش وسحبه لأسفل.
كانت تنظر للأمر في هلع مغلف بالحزن والعجز وقلة الحيلة. تتمنى رحيل الصبي وسحب البوصة تاركًا عشها وصغارها. لكن هيهات، استمر الصبي في عمله، وبدأ العش في الانزلاق بالصغار.
وتَرادف إلى سمعها، وهي تقفز مستغيثة باللاشيء خارج العش، صوصوة صغارها السريعة المتقطعة، لكنها عاجزة عن فعل شيء. وانزلق العش أرضًا، وفرح به الصبي ليقوم بتمزيقه على عجل، ويخرج الصغار الواحد تلو الآخر.
وأخذت العصافير الصغيرة تتلوى وهي محتضنة الرمضاء بصدرها وأجنحتها الخالية من الريش. وهبطت الأم في سرعة خاطفة، غير مبالية بالشوك الذي انغرس بعضه في لحمها، وأخذت تقفز بخفة حول موطن صغارها، والصبي يعبث بالصغار في راحة يده، ليلقي الصغار ويسحب بوصته، منسحبًا من المكان.
الأم تنظر في حسرة، وترجو زمنًا مضى ولن يعود. ضاع البيت الجميل، وضاع الصغار على قارعة الطريق.
كانت تقفز ثم تطير مرفرفة فوق صغارها. وتجلت المأساة باقتراب قط من الصغار، فوقف على مقربة وأطال النظر، فوجد اللحوم الحمراء تتحرك. فاقترب أكثر يتشممها، ثم في مباغتة قام بضرب أحد الصغار بقدمه ضربة قوية، ليسكن بعدها العصفور تمامًا، ليقوم القط بالتهامه سريعًا، ليعود الكرة حتى الرابع، والأم تنظر وتقفز وترفرف، ولا مغيث.
الصغار كلهم في بطن القط، ليرحل متلذذًا بوجبته الشهية.
واقتربت العصفورة من المكان الذي كان يحمل صغارها منذ لحظات، وأخذت تدور وتخفض رأسها، وكأنها تتشمم المكان. ثم ضربت الهواء بجناحيها في عنف، لتطير مرتفعة بكل سرعتها لأعلى، لتغيب بعدها في كبد السماء.
(تمت بحمد الله)



