د. جيهان رفاعي تكتب: التحرشُ الجنسي.. حينَ تموتُ الرجولةُ ويُستباحُ العِرض
إن ظاهرةَ التحرشِ الجنسيِ باتت تشكلُ خطراً داهماً، وسيفاً مسلطاً على نسيجِ المجتمعاتِ العربيةِ التي تفسخت تقاليدُها وتبعثرت أعرافُها أمامَ رغبةٍ عمياءَ لشريحةٍ من الرجالِ هم في الأصلِ ضحايا الجهلِ والفقرِ الثقافيِ والتربوي، فتحطمت معها معاني الشهامةِ والمروءةِ والرجولةِ، وضاعَ معها معنى الحفاظِ على المرأةِ التي هي الأمُ والزوجةُ والأختُ والابنة.
لقد استفحلت هذه الظاهرةُ في الآونةِ الأخيرةِ وصارت جرحاً نازفاً، ووصمةً مخزيةً، تقفُ خلفها أبعادٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ ونفسيةٌ وثقافية، منها الكبتُ الجنسيُ الناتجُ عن تأخرِ سنِ الزواجِ والمغالاةِ في المهور، بالإضافةِ إلى البطالةِ التي توشكُ أن تفترسَ زهرةَ شبابِ العالمِ العربي، فضلاً عن الفقرِ والجهلِ والإحساسِ بانعدامِ العدالةِ وحالةِ اليأسِ والإحباطِ وانتشارِ العشوائياتِ والفراغِ القاتلِ الذي يعيشُه أولادُنا اليوم، فلا شيءَ يملأُ حياتَهم باستثناءِ التلفازِ والإنترنت.
ومع تدهورِ الأوضاعِ وقعَ الكثيرُ من الشبابِ في براثنِ الانحرافِ والإدمانِ والانغماسِ في الملذاتِ الآنيةِ دون تقديرٍ لعواقبِها الآجلة، فالشبابُ يمرُ منذُ فترةٍ ليست بالقصيرةِ بحالةٍ من الإحباطِ الشديدِ وعدمِ الأمانِ نتيجةً لارتفاعِ نسبةِ البطالةِ وقلةِ الدخلِ وازديادِ تكاليفِ المعيشة، مما جعلَ رغبتَهم في العملِ وبناءِ أنفسِهم وتصريفِ الطاقةِ والغريزةِ الطبيعيةِ بشكلٍ مشروعٍ حلماً بعيدَ المنال. ويظهرُ ذلك جلياً في إقدامِ بعضِ هؤلاءِ الشبابِ على الزواجِ العرفيِ رغمَ مشاكلِه الجامّةِ وإنكارِ المجتمعِ له.
والبطالةُ هي أمُ الموبقاتِ في المجتمع، فكلُ إنسانٍ عاطلٍ هو قنبلةٌ موقوتةٌ وطاقةٌ مكبوتةٌ قابلةٌ للانفجارِ في أيِ وقت. وخطورةُ البطالةِ ليست في أرقامِها المرتفعةِ ولكنها تكمنُ في المشكلاتِ والجرائمِ التي يرتكبُها العاطلون، فهناك علاقةٌ طرديةٌ بين زيادةِ معدلِ البطالةِ وبين انتشارِ الجريمة. ولأن العاطلينَ لهم احتياجاتٌ لا يقدرُ سوى المالِ على تحقيقِها، فالعاطلُ إذا لم يحصلْ على المالِ بطريقةٍ شرعيةٍ فإن الجريمةَ هي السبيلُ أمامهُ بلا شك. وهي تقتلُ الانتماء، وإذا ماتَ الانتماءُ انهارتِ الأمم. فبسببِ البطالةِ لن تتوقفَ مراكبُ الموتِ ولن ينجو آلافُ الضحايا، ولأن البطالةَ مرتبطةٌ بتأخرِ سنِ الزواجِ فيؤدي ذلك إلى ارتفاعِ نسبةِ مرتكبي هتكِ العرضِ والاغتصاب، حيثُ تفصلُ شعورَ المواطنِ عن دولتِه وتكرسُ داخلهُ انفعالاتِ الغضبِ والقهرِ التي يتمُ تفريغُها بمثلِ هذه السلوكيات. وهناك جماعاتٌ تعيشُ على هامشِ الحياةِ في حاراتٍ عشوائيةٍ تفتقدُ إحساسَها بالانتماءِ للمجتمعِ وتنزعُ إلى التخريبِ والجريمةِ لتلفتَ الانتباهَ لها.
ولم تعد أسبابُ الظاهرةِ اقتصاديةً فحسب، بل تمددت لتشملَ آفاتِ العصرِ الحديث. فقد صنعت “ثقافةُ الميمزِ والتريند” من التحرشِ مادةً للسخريةِ والضحك، فتحولت المقاطعُ والكوميكسُ إلى تطبيعٍ للقبح، فصارَ ما نضحكُ عليه اليومَ نمارسُه غداً بلا خجل. كما أن “انعدامَ القدوةِ” في الإعلامِ والفنِ صدّرَ لنا البلطجيَ بطلاً، والمتحرشَ قوياً، والمستهترَ قدوة، فترسخت في عقولِ الشبابِ قاعدةٌ خبيثة: “من يعلو صوتُه هو من يُسمع”. وزاد الطينَ بلةً “العنفُ المصورُ” في الألعابِ والأفلامِ والمقاطع، فتعودت العينُ على كسرِ حدودِ الآخرين، وانتقلَ العنفُ من الشاشةِ إلى الشارعِ بلا رادع.
إن التحرشَ لم يعد ظاهرةً فرديةً تمارسُ في الخفاءِ ولكنها أصبحت بالفعلِ مشكلةَ أمنٍ قومي، ويرجعُ انتشارُ الظاهرةِ كذلك إلى انتشارِ الفسادِ وانعدامِ الضميرِ وضياعِ الأخلاقِ والابتعادِ عن الدينِ والشعورِ باليأسِ والإحباطِ وازديادِ معدلاتِ الطلاق.
ولقد نسينا أن ديننا جاء صيانةً للأعراضِ قبلَ الأموال. قال الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} فبدأ بغضِ البصرِ قبلَ حفظِ الفرج، لأن العينَ بريدُ الزنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلُ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دمُه ومالُه وعرضُه”. فأيُ رجولةٍ تلك التي تنتهكُ عرضاً حرّمه الله؟ وأيُ شهامةٍ فيمن روّع الآمناتِ في الطرقات؟ إن المتحرشَ لم يعتدِ على جسدٍ فقط، بل اعتدى على حُرمةٍ صانها الشرع، وعلى أمانةٍ استرعاه الله إياها. فإذا غاب الوازعُ الدينيُ غاب الحياء، وإذا غاب الحياءُ ضاعت الأمة.



