الكاتب الصحفي الكبير محمد الجارحي يكتب: بالأرقام والوقائع: ماذا قدمت «سوكنا» للصحفيين في أصعب لحظات العمر؟
شهدت الأوساط الصحفية خلال الأيام القليلة الماضية حالة من الجدل والنقد، تخللتها بعض عبارات السخرية عبر منصات التواصل الاجتماعي، إثر إعلان نقابة الصحفيين عن تكريم شركة «سوكنا» المتخصصة في تنظيم الجنازات. ورغم أن النقد والنقاش يعدان ظاهرة صحية داخل الجماعة الصحفية، إلا أن غياب المعلومات الحقيقية حول طبيعة هذا التعاون وما قدمته الشركة للزملاء وأسرهم على مدار ثلاث سنوات كان السبب الرئيسي وراء هذا اللبس. فما هي الحكاية الكاملة وراء هذا التكريم؟ وما الذي قدمته هذه الشركة للصحفيين حتى تستحق درع النقابة؟
خدمة آدمية بلا مقابل
في البداية، يجب توضيح أن شركة «سوكنا» هي مؤسسة رائدة في تقديم خدمات تنظيم الجنازات وتكريم المتوفى بطريقة تضمن له ولأسرته أعلى درجات الآدمية والوقار في اللحظات الأخيرة. وفي الوقت الذي تتعاقد فيه الشركة مع جهات عريقة مثل نقابتي المهن التمثيلية والسينمائيين ونادي القضاة بمقابل مادي، فإن بروتوكول التعاون الذي يربطها بنقابة الصحفيين يحمل طابعًا استثنائيًا وإنسانيًا فريدًا.
إن الحقيقة الصادمة للبعض هي أن الصحفيين أو النقابة لم يدفعوا مليمًا واحدًا طوال فترة التعاون؛ إذ تقدم الشركة خدماتها الأساسية والتي تشمل تجهيز الجثمان، الكفن، كامل المستلزمات، وسيارات النقل الحديثة إلى أماكن الصلاة ثم المقابر، بالمجان بالكامل لأعضاء النقابة بموجب الكارنيه، وهي خدمات تبلغ تكلفتها الفعلية للعملاء العاديين نحو 14 ألف جنيه، وتزيد بمقدار 2500 جنيه في حال الانتقال خارج العاصمة.
ثلاثة أعوام من المساندة الصامتة
بدأت مسيرة هذا التعاون الصامت في الأول من مارس عام 2023، وجرى تجديد البروتوكول رسميًا ثلاث مرات بقرار من مجلس النقابة. وطوال هذه الفترة، لم تسعَ النقابة أو الشركة للاستعراض الإعلامي، بل كان التركيز منصبًا على الوقوف بجانب الزملاء في أصعب المحن الإنسانية.
حتى اليوم، ساهمت الشركة في تخفيف العبء الحزين عن كاهل 24 أسرة صحفية في لحظات الفقد المفاجئة أو الصعبة (4 حالات في 2023، و7 في 2024، و7 في 2025، و6 في 2026). لم تكن خدمات الشركة مجرد إجراءات روتينية، بل كانت طوق نجاة في حالات الحوادث المفاجئة، والوفيات في الأعياد والإجازات الرسمية، أو حتى في المواقف العصيبة التي كان يتوفى فيها الزميل وحيدًا دون وجود أسرته بجانبه.
لقد جابت سيارات وفِرق الشركة آلاف الكيلومترات لتصل إلى محافظات مصر المختلفة؛ من الإسكندرية والدقهلية والمنوفية والشرقية وبورسعيد، وصولًا إلى قنا وسوهاج والأقصر والمنيا، بخلاف مئات المقابر داخل وخارج القاهرة. وبلغت القيمة المالية الإجمالية لهذه الخدمات المجانية نحو 398 ألف جنيه، تحملتها الشركة بالكامل كمسؤولية مجتمعية تقديرًا لمهنة الصحافة.
تنظيم المهنة وتوسيع المزايا
ولم يقتصر دور «سوكنا» على الجانب الإنساني فحسب، بل امتد للجانب التنظيمي؛ حيث تعاونت الشركة مع مجلس النقابة وشعبة المصورين ونقابة المهن التمثيلية لوضع ضوابط صارمة لتغطية جنازات المشاهير، وهو ما تجلى بوضوح في المشهد الحضاري اللائق الذي رأيناه مؤخرًا في جنازة الفنان الراحل هاني شاكر، مما أعاد للمهنة هيبتها ومنع التجاوزات الفردية.
وفي يوم التكريم الذي تم في موعده بالقاعة المستديرة بالنقابة بحضور النقيب وأعضاء المجلس، لم يكن الهدف بروتوكوليًا فحسب، بل شهد توقيع اتفاقية جديدة تحمل مزايا مضافة؛ حيث جرى توسيع نطاق الخدمة المجانية لتشمل الزوج، أو الزوجة، والأبناء، في خطوة تؤكد حرص النقابة على توفير الرعاية والحماية الشاملة لأسر الصحفيين.
كلمة أخيرة
إن تكريم نقابة الصحفيين لشركة «سوكنا» ومؤسسها أحمد جاب الله، ليس إعلانًا تجاريًا كما روج البعض، بل هو رسالة وفاء وعرفان لجهة وقفت مع الجماعة الصحفية في أحلك الظروف وأصعبها بمهنية وإنسانية بالغة. النقابة لا تكرم الشركات لكونها شركات، بل تكرم كل من يقدم دعمًا حقيقيًا وملموسًا لأعضائها، والصحفي المصري ليس أقل من القاضي أو الفنان، بل يستحق دائمًا التقدير الأكثر وقارًا واحترامًا.



