مني النمر تكتب: ما وراء الضربة الجوية …!!

بعد استشهاد عدد من أبناء القوات المسلحة المصرية على الحدود الجنوبية، تساءل كثيرون: أين الرد المصري؟
اعتاد المصريون عبر تاريخهم أن جيشهم لا يفرط في حق أبنائه، ولا يتهاون مع من يهدد أمن البلاد. ولذلك بدا الصمت في لحظته الأولى غريبًا للبعض، حتى ظن البعض أن القيادة اختارت تجاهل ما جرى .
لكن قراءة الأحداث قد تقود إلى استنتاج مختلف تماما.
فالدول الكبرى لا تتحرك بالغضب أو الانفعالات، والجيوش المحترفة لا تطلق رصاصها هباء . فأحيانا يكون الصمت جزءً من المعركة، ويكون الانتظار وسيلة لجمع المعلومات وكشف الشبكات ورصد التحركات قبل توجيه الضربة في التوقيت الذي يحقق أكبر قدر من التأثير.

فمنذ اندلاع الحرب في السودان، تحولت المنطقة الحدودية الممتدة بين السودان وليبيا وتشاد إلى واحدة من أكثر المناطق هشاشة واضطرابا في المنطقة .

و أن ما جرى في المناطق الحدودية الجنوبية لم يكن مجرد نشاط عشوائي لمجموعات تبحث عن الذهب أو التهريب، بل محاولة لبناء مناطق نفوذ مسلحة مستفيدة من حالة الاضطراب التي تعيشها دول الجوار.
هذه المجموعات، لم تكن تتحرك منفردة، بل اعتمدت على التمويل والتسليح والدعم اللوجستي القادم من أطراف متعددة، مع الاستفادة من وجود مرتزقة وعناصر مسلحة وجماعات خارجة عن القانون تسعى إلى فرض أمر واقع جديد في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للأمن القومي المصري.

التي حاول بعض الجهات و الجماعات الممولة تصويرها على انها اختراق لحدود دولة مجاورة ، و أنها انتهاك دولي و قتل للابرياء على غير الحقيقة ،في محاولة يائسة لتوريط مصر دولياً .
ولذلك لم يكن السؤال الحقيقي … ماذا يفعل هؤلاء؟
بل كان السؤال الأهم … من المستفيد من وجودهم؟

فحين تتجمع الأموال والسلاح والمرتزقة في منطقة واحدة، لا يعود الأمر مجرد تنقيب عن الذهب أو تجارة حدودية غير مشروعة، بل يتحول إلى مشروع نفوذ و فرض أمر واقع له أهداف تتجاوز بكثير النشاط الاقتصادي المعلن .
ومن هنا نجد أن ما حدث لم يكن منفصلا عن محاولات أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، أو خلق بؤر ضغط جديدة على مصر من اتجاهات مختلفة.
وما عزز هذه المخاوف، ظهور مقترحات من بعض الساسة الإسرائيليين ، حول تهجير أهل غزة إلى مناطق بعينها في الجنوب، بالتزامن مع حديث متكرر عن ترتيبات إقليمية جديدة ومشروعات لإعادة رسم خرائط النفوذ والحركة السكانية في الشرق الأوسط.
قد يختلف البعض مع هذه القراءة، وقد يراها آخرون مبالغة سياسية، لكن المؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى حدودها الجنوبية باعتبارها جزءً لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي محاولة لفرض واقع مسلح على هذه الحدود تمثل تهديدا لا يمكن تجاهله.
ولهذا، فإن الضربة الجوية التي جاءت لاحقا لم تُقرأ باعتبارها رد فعل متأخرا، بل نتيجة مرحلة طويلة من الرصد والمتابعة وجمع المعلومات.

لقد ظن البعض أن الصمت ضعف.
لكن ربما كان الصمت في الحقيقة جزءً من الخطة.
وربما اعتقدت تلك المجموعات أن انشغال مصر بملفات إقليمية ودولية او ملفات داخلية ، قد منحها مساحة أكبر للحركة والأمان ، توهما منها، بينما كانت الأجهزة المعنية تتابع المشهد كاملا وتنتظر اللحظة المناسبة .
وفي كل الأحوال، فإن الرسالة التي خرجت من هذه الأحداث كانت واضحة …
قد تصمت مصر أياما أو أسابيع، لكنها لا تنسى حق أبناءها …
وقد تتأخر الضربة، لكنها حين تأتي تكون قد حسبت بمنتهى الدقة ، لتحقيق اكثر من هدف في ضربة واحدة .
فالأمن القومي المصري لم يكن يوما ملفا قابلا للمساومة، والحدود المصرية لم تكن يوما مساحة مفتوحة أمام من يتوهم أن بإمكانه فرض أمر واقع بالقوة.

وهذا ما أثبته التاريخ مرارا.
فمصر لا تتهاون حين يتعلق الأمر بأمنها، ولا تفرط في حق أبنائها، ولا تسمح بأن تتحول حدودها إلى منطقة مستباحة .
ولهذا، فإن ما جرى في الجنوب قد لا يكون مجرد عملية عسكرية ، بل رسالة أوسع تقول إن الدولة المصرية تراقب، وتنتظر، وتختار توقيت حركتها بنفسها.

وحين تتحرك…
يصبح الصمت الذي سبقها أكثر وضوحا من أي كلام …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى