شريف الريس يكتب: افتتاح المونديال: عندما ينتصر المضمون العربي على صخب الاستعراض الغربي

بينما تتوالى نسخ بطولة كأس العالم لكرة القدم، الحدث الرياضي الأبرز الذي يجمع شعوب الأرض، تظل مقارنة النسخ ببعضها أمرًا حتميًا لا يقتصر على جودة الملاعب أو مهارة اللاعبين، بل يمتد بعمق إلى “الرسالة الثقافية والإنسانية” التي يقدمها الحفل الافتتاحي للعالم. ومن هذا المنطلق، يقف حفل افتتاح كأس العالم في قطر 2022 كعلامة فارقة ونقطة تحول جوهرية، عكست قيم الحضارة العربية والإسلامية التي كانت تاريخيًا جسرًا عبر به العالم من ظلمات الجهل والتفكك إلى نور العلم والاتصال الإنساني، في مقابل تراجع القيمة والمضمون في فعاليات وافتتاحيات أخرى بدت وكأنها مجرد استعراضات بصرية صاخبة تفتقر إلى المعنى والرسالة.

لقد كان افتتاح مونديال قطر العربي وثيقة ثقافية وإنسانية صاغتها الهوية العربية ببراعة. فلم يكن الحفل مجرد استعراض للألعاب النارية أو الرقصات السريعة، بل كان حوارًا كونيًا عميقًا تجسد في اللقاء التاريخي بين الشاب القطري من ذوي الهمم، غانم المفتاح، والممثل العالمي النجم مورغان فريمان. هذا المشهد لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل حمل مدلولات بالغة العمق؛ فوجود شاب من ذوي الهمم يفتتح الحدث يرسخ قيم الشمولية والعدالة الإنسانية، ويؤكد أن العزيمة والإرادة هي مقياس العطاء البشري. وفي المقابل، كان اختيار فريمان، الممثل ذو البشرة السمراء الذي يمتلك رمزية عالمية في مناهضة العنصرية والبحث عن السلام، رسالة ذكية تدعو إلى نبذ الخلافات والتقارب بين الشعوب.

هذا المزيج البصري والفلسفي لم يكن مستغربًا على حضارة عربية ضربت جذورها في عمق التاريخ، وكانت تاريخيًا منارة أخرجت الإنسانية من عصور الظلمات إلى النور من خلال العلوم، والفلسفة، وقيم التسامح، والتعارف الإنساني المستمد من الآية القرآنية الكريمة التي تُلِيت في الحفل: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”. لقد قدمت قطر من خلال هذا الافتتاح نموذجًا لكيف يمكن للرياضة أن تكون منصة لبث القيم الإنسانية الرفيعة، والتعريف بالهوية الأصيلة دون تبرج أو ابتذال.

في المقابل، عند النظر إلى سياقات وافتتاحيات كروية وعالمية أخرى، نجد تباينًا حادًا يثير التساؤل حول الجدوى الثقافية منها. فكثير من هذه المناسبات باتت تغرق في بحر من “الاستهلاك التجاري الصرف”، حيث يبدأ الحفل وينتهي بصخب وموسيقى صاخبة، ورقصات وخبطات إيقاعية مكررة ليس لها معنى واضح أو عمق ثقافي يحاكي العقل والوجدان. تصبح الأغاني مجرد كلمات عابرة لترديد الإيقاع، وتتحول المنصة إلى مساحة لعرض تقاليع الحداثة الغربية المفروضة، دون مراعاة لتقديم رسالة حقيقية تخدم البشرية أو تعالج قضاياها الملحة كالعنصرية، أو الدمج المجتمعي، أو حوار الحضارات.

إن الفارق بين الافتتاح القطري العربي القائم على القيمة، والافتتاحيات القائمة على مجرد “الاستعراض والخبط” يعكس أزمة أعمق في المشهد الثقافي العالمي؛ أزمة تفضيل الشكل على المضمون، والإثارة البصرية على الرسالة الإنسانية. حين يخرج المشاهد من الحفل وهو يتذكر آية قرآنية تدعو للتعارف، وصورة شاب يتحدى الإعاقة ليصافح رمزًا عالميًا، فإن ذلك يبني وعيًا ويزرع قيمة تدوم لسنوات. أما حين ينتهي الحفل بانتهاء الموسيقى السريعة وحركات الرقص التي لا مدلول لها، فإن الأثر يتلاشى بمجرد إطفاء أنوار الملعب.

 واخيرا سيبقى افتتاح كأس العالم في قطر شاهدًا على أن الحضارة العربية قادرة دائمًا على تقديم النور للعالم، وأن الأصالة لا تتنافى مع الحداثة والتطور. لقد أثبت ذلك الحدث أن القوة الناعمة الحقيقية لا تكمن في محاكاة الصخب الغربي الأجوف، بل في تقديم رسائل إنسانية سامية تذكر العالم بوحدته وأخوته، لتظل تلك النسخة معيارًا يُقاس عليه مدى نجاح أي حدث عالمي في ترك أثر حقيقي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى