محمد مطر يكتب: المجتمع التراحمي
“كيف وصلنا إلى زمنٍ يزداد فيه الاتصال… بينما يزداد شعور الإنسان بالوحدة؟ وكيف تراجع المجتمع التراحمي حتى صار البعض ينهار في صمت داخل بيته، وبين أقرب الناس إليه؟”.
المجتمع التراحمي هو ذلك النسيج الإنساني الحيوي الذي يتجاوز مفهوم “العدل” إلى “الفضل”، ومن “الحق” إلى “الواجب الأخلاقي العفوي”. إنه المجتمع الذي يرى فيه الفرد نفسه جزءاً من جسد واحد، حيث “جبر الخاطر” هو العملة السائدة، والرحمة هي المظلة التي تحمي الضعيف والمكسور دون حاجة لعقود أو شروط مكتوبة. لكننا اليوم، نقف على عتبة تحول حاد؛ حيث يتراجع هذا الود العفوي لصالح “المجتمع التعاقدي”، لتتحول العلاقات إلى معادلات صفرية باردة تُقاس بميزان الربح والخسارة.
قديماً، كان هناك شيء واضح وملموس اسمه “السند الاجتماعي”؛ لم يكن بالضرورة أن يتفق الجميع، لكن كان هناك إحساس دافئ وثابت يمنح المرء الطمأنينة ” لو وقعت، حد هيلحقني”، كان البيت ممتداً، والجار معروفاً، والقريب حاضراً، والناس —رغم ضيق الحال— بينهم مساحة مشاركة فطرية؛ في الفرح، وفي الحزن، وحتى في الهم اليومي.
اليوم، تغيرت الصورة لأن الفردانية زادت وتغولت، بتنا محاصرين بشعارات من قبيل: “نفسي أولاً”، “ركز في ذاتك”، و”ماحدش له عندك حاجة”. ورغم أن في هذا الكلام جزءاً صحياً لحماية الذات، إلا أن تحوله إلى فلسفة حياة كاملة تسبب في تفتيت المجتمع. أصبح كل واحد منا يعيش في جزيرته الخاصة.. والجزيرة مهما كانت جميلة ومحصنة، فإن الوحدة فيها موجعة وموحشة.
خلف هذا التراجع، تضغط تفاصيل الحياة اليومية على الإنسان من كل جانب. فالضغوط الاقتصادية الشرسة باتت تأكل الرحمة أحياناً من القلوب؛ حين يظل الإنسان طوال الوقت قلقاً، مستنزفاً خلف المصاريف والالتزامات والمسؤوليات، تقل طاقته النفسية تلقائياً، فيصبح أسرع غضباً، أقل صبراً، وأضعف احتمالاً لأي خلاف أو هفوة من الآخرين.
وفي الوقت ذاته، جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتقرب الصور وتباعد القلوب. أصبحنا نرى بعضنا أكثر، لكننا نفهم بعضنا أقل. نعرف الأخبار بسرعة فائقة، لكننا لا نعرف —ولا نملك الوقت لنعرف— الألم الحقيقي والعميق المخبوء وراء تلك الصور والوجوه الضاحكة على الشاشات. نمر ببعضنا كأشباح رقمية.
هذا الجفاف المجتمعي لم يقف عند عتبات البيوت، بل اقتحمها، أصبحت العلاقات الزوجية نفسها تحت ضغط غير مسبوق؛ يدخل الزوج والزوجة إلى عش الزوجية وهما يحملان سقف توقعات عالٍ جداً، تضاعفه المقارنات اليومية على المنصات الرقمية، وتخنقه الضغوط المادية، مع نقص حاد في مهارات الحوار والاحتواء. وبدلاً من أن يكون البيت واحة للراحة والسكينة، يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة استنزاف متبادل.
هذا التناحر والضغط يفسر لنا —عميقاً— لماذا باتت أخبار الانتحار أو العنف الأسري تتردد أكثر من ذي قبل. ليس لأن البشر تحولوا فجأة إلى “أشرار”، بل لأن الكثيرين وصلوا إلى حالة من الاختناق الداخلي الشديد، وتاهوا في دروب الحياة دون أن يجدوا حضناً نفسياً دافئاً، أو مجتمعاً تراحمياً يخفف عنهم وطأة الحمل.
إن المجتمع التراحمي لم يمت ولم يختفِ تماماً، لكنه بات كائناً ضعيفاً يحتاج منا إلى من يعيده للحياة. والعودة هنا لا تتطلب معجزات، بل تبدأ من تفاصيل صغيرة وممكنة: سؤال حقيقي وصادق: أنت عامل إيه؟ إنصات حقيقي من غير أحكام مسبقة.
ربما لم تمت الرحمة فينا، بل هي فقط تزاحمت واختنقت تحت طبقات كثيفة من التعب، والخوف، والسرعة. نحن بحاجة اليوم إلى “المجتمع التراحمي” لنعيد للشارع والبيت روح التراحم؛ لأننا في نهاية المطاف، لن ننعم بالدفء ما دمنا نصر على العيش في جزر باردة.



