محمد مطر يكتب: عن كلمةٍ اسمها الصداقة

ثمّة شيءٌ غريب دفعني لأمدّ يدي إلى كتابٍ عن الصداقة في مكتبتي، لا أعرف ما الذي أيقظ هذا الحنين بداخلي لأقرأ عن الصداقة. فتحت الكتاب وأنا أحمل شعورًا يصعب تفسيره، وأول ما وقعت عليه عيناي عبارة تقول: “القيمة تحددها الندرة” أغلقت الكتاب بعدها، وبقيت الجملة وحدها تستدرج أفكاري.

لم تختفِ الصداقة، بل تبدّلت معانيها مع سرعة الأيام، لم تكن تُمنح كلمة “صديق” بهذه السهولة، لأنها كانت تعني أخًا اختارته الحياة ولم تنجبه الأسرة، فالصديق شاهدٌ على العمر، وسندٌ في الشدائد، ومرآةٌ ترى فيك ما لا تراه أنت في نفسك. لذلك كان الوصول إلى هذه المنزلة يحتاج إلى سنوات من المواقف، لا إلى لحظات من التعارف.

اتسعت دوائر المعرفة، وكثرت اللقاءات، وصارت الصورة تُلتقط أسرع من نشوء العلاقة، ومع الوقت أصبح لفظ “صديقي” يُقال لكل من شاركنا مجلسًا، أو مناسبة، أو صورة عابرة. وبقيت الكلمة على ألسنتنا، بينما تسرّبت معانيها شيئًا فشيئًا في صمت، دون أن ننتبه إلى ما فقدته من عمقها.

كل هذا جعلني أكتب عن الصداقة، ليس لأنني أبحث عن صداقة ضاعت، بل لأنني أفتش عن المعنى الذي كان يسكننا حين نسمع هذه الكلمة، قبل أن تستهلكها السرعة، ويصبح إطلاقها أسهل من حمل ما كانت تدل عليه.

فحين أسمع اليوم من يقول: “أصدقائي كُثر”، أتساءل بيني وبين نفسي: كم منهم يعرف عنك ما لا تجرؤ أن تقوله لأقرب الناس إليك؟ وكم منهم سيبقى حين تنطفئ الأضواء من حولك، وتنتهي المناسبات، وتُحذف الصور من الذاكرة كما تُحذف من الهاتف؟

الصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يعرفونك، بل بمن يبقى حين لا يعود هناك ما يستحق أن يُعرف، هي ليست لقاءً عابرًا يُخلّد بصورة، بل زمنًا طويلًا من الصدق يُبنى بلا شهود.

ربما لهذا لم أجد نفسي أبحث عن أصدقاء جدد حين أغلقت الكتاب، بل وجدتني أراجع من حولي: من منهم صديقٌ بالمعنى الذي تربينا عليه لهذه الكلمة، ومن منهم مجرد وجهٍ ألفته العين دون أن يعرفه القلب؟

لا أكتب هذا لأزعم أنني وجدت الإجابة، فربما لا تزال الصداقة الحقيقية موجودة، لكنها اختبأت خلف زحام الحياة، وربما كل ما نحتاجه ليس البحث عن صديق جديد، بل إعادة النظر فيمن نسميهم أصدقاء، ومحاولة أن نكون نحن، قبل غيرنا، ذلك الصديق الذي نتحدّث عنه.

فربما كانت الصداقة، مثل كثير من الأشياء الجميلة في الحياة، لا تفقد قيمتها حين تقل، بل حين ننسى معناها.
وإلى لقاء إن قدر الله لنا البقاء…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى