مني النمر تكتب: ناقوس خطر “فقدان الثقة”
في لحظة ما،
لا تسقط الدول بسبب عدو خارجي …
بل تبدأ في التآكل من الداخل، حين يفقد الناس شعورهم بالأمان ،وحين تتآكل الثقة… بين المواطن والدولة.
الثقة ليست رفاهية،
وليست شعارا يُرفع في المناسبات ،بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يريد أن يستمر بأمان …
وما يحدث اليوم في الشارع المصري،
لم يعد مجرد تذمر عابر، ولا حالة غضب مؤقتة، بل أصبح إحساسا عاما… فيتسلل إحساس بأن هناك شيئا ما يتآكل…
نتيجة ضغوط مادية خانقة، ارتفاع مستمر في الأسعار،إيجارات تلتهم ثلاثة أرباع الدخل إن لم تكن كلها ، وأجور لم تعد تواكب أبسط متطلبات الحياة .
وفي ظل هذا كله،
لم يعد الحديث عن الأمل و الصبر سهلا كما كان …
فقط وصل الأمر بالبعض … إلى حافة الانهيار .
حين تحول اليأس إلى ظاهرة ؟
حالات انتحار لم تعد مجرد أرقام ، بل إشارات مؤلمة على حجم الضغط النفسي والمادي الذي لم يعد يُحتمل .
وهنا، لا يمكن تجاهل السؤال الأصعب:
هل يشعر المواطن أن هناك من يراه؟
هل يشعر أن هناك من يسمعه ؟!!
في حين أنه يسمع أرقاما عن مليارات تُنفق، وعن خدمات تُقدم بسخاء، بينما هو يختنق من أبسط متطلبات الحياة، فإن الغضب هنا… ليس ترف …
و يأتي ملف اللاجئين كأحد أكثر الملفات حساسية، ليس بسبب وجودهم، بل بسبب طريقة إدارة الملف… وطريقة الحديث عنه.
في وقت يعاني فيه المواطن من أبسط احتياجاته ، فإن الشعور الطبيعي … هو إحساسه بالاختلال والتساؤل .
كيف لمؤسسة مثل “حياة كريمة”،و التي قامت أساسا من أجل دعم الفئات الأكثر احتياجا من المصريين، والتي يساهم فيها المجتمع بأكمله، بتوقيع اتفاقيات من أجل تمكين ودعم غير المصريين …
هنا، لا يصبح الأمر مجرد تساؤل…
بل يتحول إلى شعور بالصدمة …
فهل يحدث هذا في أي دولة في العالم؟
أن تُوجه موارد مخصصة لدعم أبناء البلد، إلى غيرهم، بينما لا يزال أبناء البلد أنفسهم يعانون؟
السؤال هنا ليس رفضا لمساعدة الآخرين، ولا تقليلا من قيمة الإنسانية،
بل دفاعا عن حق أولى …
أن يكون المواطن في صدارة أولويات بلده.
المشكلة ليست في “الضيوف”،
بل في الإحساس بأن المواطن لم يعد في المقدمة .
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي .
حين يشعر الإنسان أن حقه يضيع ،
وأن صوته لا يصل،
وأن معاناته تُقابل بالصمت أو التبرير الغير منطقي ، هنا فقط تتآكل داخله مساحة الانتماء… شيئا فشيئا …
وهذا ليس في مصلحة أحد …
لأن الدول لا تُبنى فقط بالقرارات،
بل تُبنى بالثقة.
والثقة لا تُفرض…
بل تُكتسب .
ما يحتاجه الناس اليوم، ليس وعودا جديدة، ولا كلمات مطمئنة فقط، بل وضوح … وشفافية،
إجابات حقيقية على أسئلة مشروعة.
كيف يُدار هذا الملف؟
ما هي الأولويات؟
أين يقف المواطن في معادلة الدعم؟
أسئلة لا يجب أن تُقابل بالصمت ، بالتجاهل ، أو المساومة ، ولا بالمسكنات …
بل بحوار صادق و مباشر …
لأن الغضب حين لا يجد من يحتويه،
يتحول إلى إحباط،
والإحباط حين يتراكم ، قد يتحول إلى شيء أخطر …
والأخطر من الغضب… هو فقدان الإحساس …
فقدان الثقة …
وفي هذا الوقت الذي يمر فيه العالم كله بظروف صعبة،نحن في أمس الحاجة إلى التماسك، إلى أن يشعر كل مواطن أن دولته تقف معه، كما يُطلب منه أن يقف معها …
فالوقوف خلف الدولة لا يكون بالشعارات،
بل بالإحساس المتبادل بالأمان،
وبالعدل …
وبأن الجميع في نفس المركب …
إن إنقاذ الثقة،
أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل …
لأن الحفاظ على الدولة ، لا يكون فقط بحمايتها من الخارج،
بل بحمايتها من التآكل من الداخل …
الحديث هنا ليس هجوما،ولا دعوة للفوضى، بل تحذير …
إذا استمر هذا الوضع،
قد يدفع المجتمع إلى حالة من الاغتراب داخل وطنه ..
والاغتراب أخطر من الغضب …
لأن الغاضب ما زال يشعر،أما الذي فقد الإحساس … فقد كل شيء …
وما يحدث اليوم …
ليس مجرد أزمة اقتصادية ، بل أزمة ثقة …
وناقوس للخطر …
يدق بالفعل …



