مني النمر تكتب: لعله خير …
يمر الإنسان في حياته بأيام يظن فيها أن الحمل أصبح أثقل من أن يُحتمل، وأن الطريق أطول مما يستطيع أن يقطعه، وأن ما يواجهه من ضغوط وهموم يفوق قدرته على الصبر والمقاومة. وفي تلك اللحظات تحديدا، ينسى أحيانا حقيقة بسيطة وعظيمة في ذات الوقت نفسه؛ أن الله أعلم به من نفسه، وأرحم به من كل خلقه.
فالحياة لم تُخلق على حال واحد، ولم تكن يوما طريقا مستقيما من الفرح أو الحزن. إنها تتقلب كما تتقلب الفصول، يوما تمنح ويوما تمنع، يوما ترفع ويوما تخفض، يوما تضحك لنا ويوما تبكينا . ولهذا كان من الحكمة ألا نربط سعادتنا بحال مؤقت، لأن الأحوال كلها غير ثابتة .
فإذا جاء الفقر، فليكن معه التعفف والكرامة. وإذا جاء الغنى، فليكن معه الإحسان والشكر. وإذا مررنا بأوقات الضعف، فلنحافظ على عزتنا و كرامة أنفسنا ، وإذا امتلكنا القوة، فلنتذكر الرحمة و قدرة الله علينا . فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر فيما يملك، بل في الطريقة التي يتعامل بها فيما يملك . وكما تتغير الأحوال، تتغير المشاعر أيضا. فالحزن الذي نظنه دائما سيأتي وقت و يرحل، والفرح الذي نعتقد أنه باق معنا قد يتبدل . لذلك كان الأمل رفيق الحزن، وكان الحذر رفيق الفرح. فالحياة تعلمنا كل يوم أن لا شيء يبقى كما هو، وأن دوام الحال من المحال …
بل إن الأشخاص أنفسهم تتغير مواقعهم في حياتنا. فقد يصبح حبيب اليوم بعيدا غدا، وقد يتحول خصيم الأمس إلى صديق وسند . ولهذا كان الاتزان أجمل ما يتحلى به الإنسان؛ فلا يبالغ في التعلق، ولا يبالغ في القطيعة، بل يترك في قلبه دائما مساحة للتسامح والرحمة …
ثم يأتي الرزق، ذلك الأمر الذي يشغل عقول الناس و جم تفكيرهم . فنحن مأمورون بالسعي والعمل وبذل الجهد، لكننا في الوقت نفسه لسنا مسؤولين عن النتائج. فما كُتب لنا سيأتينا، وما لم يُكتب لن تناله أيدينا مهما سعينا إليه. وحين يفهم الإنسان هذه الحقيقة، يهدأ قلبه، ويطمئن إلى أن الله لن يضيع تعبه، ولن يمنعه خيرا كُتب له.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان هو الرضا. ليس الاستسلام، بل الرضا الذي يأتي بعد السعي، والطمأنينة التي تأتي بعد الأخذ بالأسباب. أن تؤمن أن الله يدبر أمرك بحكمة قد لا تراها الآن، لكنها ستنكشف لك يوما ما.
وحين تضيق بك الدنيا، وتظن أن ما تحمله فوق طاقتك، تذكر دائما أن الله سبحانه لا يزن الأمور بميزاننا نحن، بل بعلمه ورحمته وعدله. فإذا وضعك في اختبار، فقد علم أن لديك القدرة على تجاوزه، وإذا أبطأ عنك الفرج، فلأن له موعدا أجمل مما تتخيل …
لذلك هون على قلبك، وامضِ في طريقك مطمئنا. فما دام الله معك، فلن يحملك ما لا تطيق ، ولن يتركك وحدك في معركة لا تستطيع خوضها.
وتذكر دائما قول الله تعالى:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
لعله خير ...



